تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3585

مساهمون:

ص٣٥٨٥
إذن فقد خسر الذين كذبوا بلقاء اللّه ؛ لأنهم باعوا الآجل الطويل العمر بالعاجل القصير العمر . وكل إنسان منا يريد أن يثمّر عمله ويحاول أن يعطى قليلا ليأخذ كثيرا . وعلى سبيل المثال نجد الفلاح يقتطع مقدار كيلتين من أرادب القمح التي في مخزنه ليبذرها في الأرض بعد أن تحرث . وهذا يعنى النقص القليل في مخزن هذا الفلاح ، ولكنه نقص لزيادة قادمة ؛ فعندما وضع البذور في الأرض المحروثة نجد الحق سبحانه وتعالى ينبتها له أضعافا مضاعفة . والفلاح بذلك يبيع العاجل القليل من أجل أن يأخذ الآجل الكبير . وهذه أصول حركة العاقل الذي يزن خطواته ، فإن أراد أن يزيد الثمار من حركته ، فعليه أن يبذل الجهد . أما إن كانت الحركة لا تأتى له إلا بالقليل فلن يتحرك . ولأن العاقل لا يحب الخسارة نجده يوازن دائما ويقارن بين ما يبذله من جهد والعائد الذي سيأتي إليه . أما الذين كفروا بلقاء اللّه فهم قد خسروا أنفسهم ، لأنهم لم يوازنوا بين حياتين : حياة مظنونة ، وحياة متيقنة ؛ لأن مدة حياتنا الدنيا مظنونة غير متيقنة . إننا لا نعرف كم سنحيا فيها ؛ فمتوسط عمر الإنسان على الأرض هو سبعون عاما على سبيل المثال ، ولكن أحدا لا يعرف كم عمره في الدنيا بالضبط ، وله أجل محدود . إنه فان وذاهب وميّت ، ولكن حياة الآخرة متيقنة لا أجل لها ، إنها دائمة ، ونعلم أن نعيم الدنيا بالنسبة للإنسان هو على قدر الأسباب الموجودة لديه ، أما نعيم الآخرة فهو على قدر طلاقة قدرة المسبب وهو اللّه ، وعلى هذا تكون خسارة الذين كفروا كبيرة وفادحة ودامية ؛ لأنهم لم يتاجروا مع اللّه :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها
( من الآية 31 سورة الأنعام ) ونعلم أن « حتى » هي جسر بين أمرين ؛ فالأمر الذي نريد أن نصل إليه هو غاية ، كقول إنسان ما : « سرت حتى وصلت المنزل » ، والمنزل هنا هو غاية السير .
تفسير الشعراوي — صفحة 3585 | محمد متولي الشعراوي