هم - إذن - قد خافوا وارتبكوا وطلبوا العودة للحياة الدنيا ؛ لأن ما شاهدوه هول كبير ، فما بالك إذا وقفوا على اللّه ؟ إنه موقف مرعب . وإذا كان الحق قد حذف من قبل الجواب عندما أوقفهم على النار ؛ فالأولى هنا أن يحذف الجواب ، حتى يترك للخيال أن يذهب مذاهب شتى . . إنه ارتقاء في الهول .
وهكذا نرى التبكيت لهم في قول الحق لهم :
« أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ » ؟
إنهم يفاجأون بوجود إله يقول لهم بعد أن يشهدوا البعث ويقفوا على النار :
« أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ » ؟
وسبحانه وتعالى لا يستفهم منهم ولكنه يقرر ، وقد شاء أن يكون الإقرار منهم ، فيقولون : « بلى » لأن الأمر لا يحتاج - إذن - إلى مكابرة . و « بلى » حرف يجعل النفي إثباتا .
ويطرح الحق هذه المسألة بالنفي حتى لا يظن ظان أن هناك تلقينا للجواب .
ويصدر حكم الحق :
« فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
وهكذا يذوقون العذاب الذي كانوا به يكذبون . وذوق العذاب ليس من صفة القهر والجبروت ؛ لأن اللّه لا يظلم مثقال ذرة ، ولكن بسبب أنهم قدموا ما يوجب أن يعذبوا عليه .
ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 31 ]
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 )
إن كل رأس مال يحتاج إلى عمل يزيده ، لكن أن يكون العمل قد أضاع المال ، فهذا يعنى الخسارة مرتين : مرة لأن رأس المال لم يبق عند حده بل إنه قد فنى وذهب وضاع ، وثانية لأن هناك جهدا من الإنسان قد ضاع وأضاع معه رأس المال .