تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3582

مساهمون:

ص٣٥٨٢
الجنود ، فإن أعطاهم أوامر خاطئة فهم ينفذونها ، وبعد انتهاء المعركة يسألهم القائد الأعلى ، فيقولون سلسلة الأوامر الخاطئة التي أصدرها قائدهم المباشر . فإياك أن تظن أيها الإنسان أن أبعاضك مؤتمرة بقدرتك عليها دائما ، إن سيطرتك عليها أمر منحك اللّه إياه ، ويسلبه منك متى شاء في الدنيا . ويأتي يوم القيامة لتنتهى سيطرتك على الأبعاض . وأنت ترى في الدنيا بعضا من صور سلب السيطرة على الأبعاض لتتذكر قدرة الواهب الأعلى ؛ فأنت ترى من لا يرى ، وترى من فقد السيطرة على جارحة أو أكثر من جوارحه ، وذلك تنبيه من اللّه على أن سيطرة الإنسان على الجوارح إنما هي أمر موهوب من اللّه . وقول الحق سبحانه عن الكافرين :
« بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ »
يفضح تدليسهم في الحياة الدنيا ، ثم يجيب اللّه على تمنيهم السابق الملىء بالذلة والمسكنة ، التمني بالعودة إلى الدنيا ، فيقول سبحانه :
« وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » .
فهم كاذبون في الوعد بأن يؤمنوا لو عادوا إلى الدنيا ، يوضح ذلك قول الحق سبحانه :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 29 ]

وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) إنهم لم يأخذوا في أثناء حياتهم الإيمان كإيمان استدلال بكون منظم مرتب محكم التكوين ، إنهم لم يلتفتوا إلى أن هذا النظام والإحكام والترتيب موجود في علاقات البشر بعضهم ببعض سواء أكانوا مؤمنين أم ملاحدة ، ونعلم أن هناك صفات يشترك في كراهتها كل الناس مؤمنهم وملحدهم ؛ فالملحد إن سرق من زميله ، ألا يعاقب ؟ إنه يتلقى العقاب من مجتمعه ، وفي كل المجتمعات هناك ثواب وعقاب ، بل هناك جزاء بإحسان . والإيمان لا يمنع أن يصطلح الناس على شئ من الإحسان ، والمحرومون من الإيمان تلجئهم الأحداث أن يضعوا القانون لينظموا الثواب والعقاب . إننا نجد أن تجريم المخالف للخير والجمال وإصلاح الكون هو أمر فطرى
تفسير الشعراوي — صفحة 3582 | محمد متولي الشعراوي