تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3579

مساهمون:

ص٣٥٧٩
الوقوف على النار لا يأتي خبره هنا ، بل يكتفى الحق بأن يعبر لنا عن أننا نراهم في مثل هذا الموقف ؛ لأن اليوم الآخر هو يوم الجزاء ؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار . والجنة - كما نعلم من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - إن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ونعلم أن رؤية العين محدودة ، ورقعة السمع أكثر اتساعا ، ذلك أن الأذن تسمع ما تراه أنت وما رآه غيرك ، لكن عينيك لا تريان إلا ما رأيته أنت بمفردك ، ولا يكتفى الحق بذلك بل يخبر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن في الجنة ما لا يخطر على قلب بشر ، أي أن في الجنة أشياء لا تستطيع اللغة أن تعبر عنها ؛ لأن اللغة تعبر عن متصورات الناس في الأشياء . والمعنى يوجد أولا ثم يوجد اللفظ المعبر عنه . وهكذا نعلم أن ما في الجنة من نعيم لا توجد ألفاظ تؤدى كل ما تحمله للمؤمن من معان ، وكذلك نعلم أيضا أن في النار عذابا لم توضع له ألفاظ لتعبر عنه . ولو أن الحق سبحانه وتعالى قال :
« وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ »
لرأينا أمرا مفزعا مخيفا مذلا إلى آخر تلك الألفاظ الدالة على عمق العذاب لما أعطى ذلك الأثر نفسه الذي جاء به حذف الجواب . وعندما نقرأ « وقفوا » نعرف أن فيه بناء وكيانا موجودا ، وأن هناك من أوقفهم على النار ، وهم كانوا مكذبين في الدنيا بالنار ، ثم وجدوا أنفسهم يوم القيامة ضمن من وقّفهم اللّه على النار ليروا العذاب الذي ينتظرهم ، ويطلعوا على النار اطلاع الواقف على الشئ ، كذلك يوقفهم الحق على النار التي أنكروها في الدنيا ؛ فقد جاءهم الخبر في الدنيا ، فمن صدق وعلم أن من أخبره صادق ، فذلك علم يقين ، وإن تجاوز الإنسان مرحلة العلم ورأى صورة محسة للخبر ، فهذا عين يقين . والمؤمن بإخبار ربه وصل إلى الأشياء بعلم اليقين من اللّه ، لأنه يصدق ربه ، ولذلك فالإمام على - كرم اللّه وجهه - يقول : « لو انكشف عنى الحجاب ما ازددت يقينا » ؛ لأنّه مصدق بلاغ به . لكن ماذا عن المكذبين ؟ إن الإنسان يرى علم اليقين في اليوم الآخر وهو عين يقين ، ويشترك في ذلك المؤمن الكافر . ولكن الكافر يرى النار عين اليقين ويدخلها ليحترق بها فيحس بها وهذا هو « حق اليقين » .