وكان النضر راوية للقصص التي يجمعها من أنحاء البلاد ، فهو قد سافر إلى بلاد فارس والروم وجاب الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها ، فقال : واللّه ما أدرى ما يقول محمد إلا أنه يقول أساطير الأولين .
ويتجادل النضر وأبو سفيان وأبو جهل مع رسول اللّه ، وهذا الجدال دليل عدم فهم لما جاء من آيات القرآن . ولم يجعل اللّه الوقر على آذانهم قهرا عنهم ، بل بسبب كفرهم أولا ، فطبع اللّه على قلوبهم بكفرهم ، واستقر مرض الكفر في قلوبهم وفضلوه على الإيمان فزادهم اللّه مرضا ، وقال فيهم الحق سبحانه :
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( من الآية 25 سورة الأنعام )
والأساطير هي جمع أسطورة ، والأسطورة شئ يسطر ليتحدث به من العجائب والأحداث الوهمية . وكأن الحق سبحانه وتعالى يكشفهم أمام أنفسهم وهو يحاولون أن يجدوا ثغرة في القرآن فلا يجدون . وقال اللّه عنهم قولا فصلا :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
( 31 )
( سورة الزخرف )
فهم يعلمون عظمة القرآن فكيف يقولون إنه أساطير الأولين ؟ لقد كانوا من المعجبين بعظمة أسلوب القرآن الكريم فهم أمة بلاغة ، ولكنهم يعلمون أن مطلوبات القرآن صعبة على أنفسهم . كما أنهم أرادوا أن يظلوا في السيادة والجبروت والقهر للغير ، والقرآن إنما جاء ليساوى بين البشر جميعا أمام الحق الواحد الأحد .
لقد جاءت حوادث قسرية بإرادة اللّه لتكون سببا للإيمان ، مثلما حدث مع عمر ابن الخطاب رضى اللّه عنه عندما علم أن أخته قد أسلمت فذهب إليها وضربها حتى أسال منها الدم . وإسالة الدم حركت فيه عاطفة الأخوة فأزالت صلف العناد ، فأراد أن يقرأ الصحيفة التي بها بعض من آيات القرآن ، وتلقى الأمر من أخته بأن يتطهر فتطهر وجلس يستمع ، وبزوال صلفه وعناده وبتطهره صار ذهنه مستعدا لفهم