كشق البحر بالعصا أو رؤية العصا وهي تصير حية تلقف كل ما ألقاه السحرة ، أو معجزة عيسى عليه السّلام من إبراء الأكمه والأبرص ، فهذه كلها معجزات مرئية ومحددة بوقت ، أما معجزة رسول اللّه فهي معجزة مسموعة ودائمة .
إن السمع هو أول أدوات الإدراك للنفس البشرية . إنه أول آلة إدراك تنبه الإنسان ، إنه آلة الإدراك الوحيدة التي تستصحب وقت النوم وتؤدى مهمتها ؛ لأن تصميمها يضم إمكانات مواصلة مهمتها وقت النوم . ونعلم أن الحق حينما أراد أن يقيم أهل الكهف مدة ثلاثمائة وتسع سنين ضرب على آذانهم حتى يكون نومهم سباتا عميقا ، فهم في كهف في جبل ، والجبل في صحارى تهب عليها الرياح والزوابع والأعاصير ، فلو أن آذانهم على طبيعتها لما استراحوا في النوم الذي أراده اللّه لهم ، ولذلك ضرب اللّه على آذانهم وقال سبحانه :
فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
( 11 )
( سورة الكهف )
ومعجزة رسول اللّه - إذن - جاءت سمعية وأيضا يمكن قراءتها . وحين يتلقى الإنسان بلاغا فهو يتلقاه بسمعه ، ويستطيع من بعد ذلك أن يقرأ هذا البلاغ ويتفقه فيه ، ولا أحد يعرف القراءة إلا إذا سمع أصوات الحروف أولا ثم رآها من بعد ذلك ، لقد تميزت معجزته صلّى اللّه عليه وسلّم بسيد الأدلة في وسائل الإدراك الإنسانى ، وهو السمع ، والحق يقول :
« وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ » .
إن هناك فارقا بين « يسمع » و « يستمع » ، فالذي يسمع هو الذي يسمع عرضا ، أما الذي « يستمع » فهو الذي يسمع عمدا . والسامع دون عمد ليس له خيار ألّا يسمع ، إلا إذا سد أذنيه . أما الذي يستمع فهو الذي يقصد السمع . وهم كانوا يستمعون للقرآن لا بغرض اكتشاف آفاق الهداية ولكن بغرض الإصرار على الكفر وذلك بقصد تصيد المطاعن على القرآن .
ويقول الحق سبحانه :
« وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ »
و « الأكنة » جمع « كنان » وهي الغطاء أو الغلاف . ويتابع الحق :
« وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً »
أي جعلنا في آذانهم صمما ، كأنهم باختيارهم الكفر قد منعهم اللّه أن يفهموا القرآن ، ونعلم أن