الصانع العليم . إذن فأمر الدين محسوم من الحق . والرسل مبلغون عن اللّه ، وكذلك أهل العلم بالدين ، وأهل العلم بالدين مبلغون عن اللّه لا متكلمون بلسان اللّه ؛ لأن بعض البشر قد يخلطون أهواءهم مع كلمات اللّه ويقولون : إن هذا هو كلام اللّه ، وهذا خطأ فاحش وذنب كبير .
إن ما حدث في القرون الوسطى - على سبيل المثال - كان خلطا بين البحث العلمي وما ينزل الحق من منهج ؛ فعندما جاء عالم مثل « جاليليو » ليبحث في طبيعة الكواكب أرادوا أن يحرقوه ، وعندما أراد عالم آخر أن يتكلم في طبيعة الأرض حبسوا حريته . وعندما حكمت الكنيسة العالم الغربى بهذا الأسلوب تأخر العالم كله وعاش في عصور من الظلام ، وعندما اتصل هؤلاء القوم بالمسلمين تحرروا من خزعبلات تلك القرون الوسطى وتعلموا حرية البحث العلمي من العرب وارتقت أوروبا بذلك الأسلوب العلمي الذي طرحه الإسلام وأثبته علماء المسلمين .
إن السبب في تأخر أوروبا وجهلها هم أهل الكهنوت والدين ، بل إن نفور الأوروبيين من الدين كان بسبب معرفتهم أن رجال الدين عندهم يمقتون الحياة والتقدم الحضارى - حماية لنفوذهم وسلطتهم الزمنية والروحية - وأراد بعض من أهل أوروبا أن يأخذوا كل الأديان بجريرة رجال الكهنوت عندهم . ونسي الذين حملوا على الدين - كل الدين - أن رجال الكهنوت افتأتوا وادعوا ذلك على النصرانية ، ونسبوه إليها ؛ فالمسيح لم يقل لهم ذلك ، ولكنهم كرجال كهنوت أفسدوا الحياة بالسلطة الزمنية التي كانت لهم وكانت النتيجة أن أخذ البعض من فساد سلطة الكنيسة حجة على فساد الدين .
ولهؤلاء نقول : إن الدين لا يتدخل في أي أمر من أمور الحياة العلمية ولا يفسدها أبدا ، بل نجد أن الحق قد أمرنا بالبحث في آياته وأن نزيد من البحث . وها هو ذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمرنا بأن نبحث عن شؤون الدنيا على ضوء التجربة . وأراد اللّه أن يفصل بين أمور العلم التجريبى وأمور الدين ، وأراد أن يحمى دينه من تدخل أي فئة تدعى أنها تملك كلام اللّه فتخلط بين أهوائها والبلاغ عن اللّه سبحانه .
مثال ذلك ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر تلقيح النخيل . ونعرف
تفسير الشعراوي — صفحة 3556
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٥٥٦