تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3553

مساهمون:

ص٣٥٥٣
سبقت الإسلام هي التي أرهقت الكون ؛ لأن الحق سبحانه حينما خلق الكون طمر فيه أسرارا تعمل في خدمة الإنسان وإن لم يدر بها الإنسان . وطموحات الإنسان العلمية هي التي تجعله يهتدى إلى هذه الأسرار ويكتشف القوانين التي تعمل بها ؛ مثال ذلك قانون الجاذبية ، وقانون السالب والموجب ، كل هذه قوانين موجودة في الكون ، تماما كما خلق اللّه الأرض كروية وكما جعل الشمس هي مصدر الحرارة والدفء والنور والإشراق . ويأخذ العلماء من تلك المقدمات ليصلوا إلى اكتشاف قوانين هذه الأجرام وقوانين هذا الكون . وحين يصل العالم الذكي إلى اكتشاف قانون ما فإنه يقول : لقد اكتشفت كذا ، وهذا تعبير فطرى دقيق ، ولا يقول أبدا : لقد ابتكرت كذا ؛ لأنه يعلم أن ما اكتشفه كان موجودا في الكون ولكن لا يعرفه . وعدم معرفة الإنسان بقانون موجود في الكون لا يمنع الفائدة من الوصول إلى الإنسان ، وإن كانت المعرفة بالقانون تزيد من إمكان الإفادة منه . فالإنسان يتمتع بوجود الشمس قبل معرفة ما بها من طاقة ، ولكن عندما تخصص العلماء في دراسة الشمس عرفوا أن الإنسان يمكن أن يستفيد بهذه الطاقة أكثر من فائدته التقليدية بها ، ولذلك صارت هناك بعض المدن تنير شوارعها بالطاقة الشمسية ، وصارت هناك بعض المباني تدفئ حجراتها بالطاقة الشمسية وتسخّن المياه أيضا بهذه الطاقة . ولم يمنع هذا الاكتشاف أن يستفيد الأمى أو البدوي في الصحراء من نور الشمس . وكذلك الكهرباء ، والأدوات الكهربائية والمنزلية التي يمكن للجاهل الاستفادة منها ، مثل استفادة الخبير بها ، صحيح أن الأمى لا يعرف كيف تدور المصانع التي تنتج أجهزة التليفزيون ولكنه يستفيد برؤية التليفزيون . والتليفزيون ليس إلا ترجمة مادية لمجموعة من القوانين العلمية اكتشفها الإنسان ووضعها موضع التطبيق لصناعة هذه الآلة التي يستفيد بها الإنسان . ولكل سر ميلاد تماما كميلاد الإنسان . وإذا جاء ميعاد ميلاد السر ولم يكن هناك من يبحث عنه ، فسبحانه يكشفه لأي بشر بالمصادفة ، وكثيرا ما نسمع أن عالما كان يبحث في مجال ما ولكنه اكتشف سرا غير الذي كان يبحث عنه . ولذلك يقول الحق في آية الكرسي :
تفسير الشعراوي — صفحة 3553 | محمد متولي الشعراوي