« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ »
فهل عمل أهل الكتاب بمقتضى هذه المعرفة ؟ لا ؛ ذلك أن بعضا منهم خافوا أن تؤخذ منهم سلطتهم الزمنية ، وأكبر مثال على ذلك هو عبد اللّه بن أبي الذي كان رأس النفاق في الإسلام والذي كان يستعد لتولى ملك المدينة قبل مجىء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إليها .
وكان هناك من أهل الكتاب من عمل بهذه النبوءة ، مثال ذلك : عبد اللّه بن سلام رضى اللّه عنه . ولم يظلم القرآن أحدا ، بل قال عن بعض أهل الكتاب :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( 83 )
( سورة المائدة )
إذن لم يظلم الحق الذين آمنوا من أهل الكتاب عندما وجدوا أن منهج الإسلام مطابق لما جاء إليهم . لكن بعض أهل الكتاب كفر وعادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خوفا على السلطة الزمنية التي كانت لهم .
وعندما ننظر إلى التاريخ نجد أن السلطة الزمنية كانت في وقت من الأوقات لرجال الدين مثلما حدث في أوروبا ، ولكن حدث استغلال من جانب رجال الدين للناس ، وأفسد رجال الكهنوت في الأرض ، فتمرد عليهم البشر وخرجوا عن طاعتهم ليقننوا لأنفسهم القوانين . ولأنهم كانوا يحكمون بالأهواء لا بالشرع فقد كان الحكم يتذبذب عند رجال الكهنوت في الأمر الواحد حسب شخصية من يرتكب هذا الأمر ، فمن يدفع لهم ينال العفو ، ومن لم يدفع ينال العقاب ! لقد أخذوا متاع الدنيا القليل ولم ينفذوا ما أمرهم به اللّه فخرج الناس على سلطانهم .
ومن هنا لم يعترف بعض من البشر برسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي جاءت البشارة به وعرفوه بالإيضاح والنعت ولكنهم أنكروه لأنه يسلبهم ما حصلوا عليه من الانتفاع بالمال والسلطة فخسروا أنفسهم وظلوا على الكفر ؛ لقد قال فيهم الحق :
« الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » .
لقد خسروا أنفسهم ؛ لأنهم اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا . وخسارة النفس تفوق خسارة المال ؛ لأن خسارة المال مردودة ويمكن أن تتدارك فيكسب الإنسان بعد خسارة ، ولكن خسارة النفس أمرها كبير . ونعلم أن الصفقة الإيمانية لا تعزل عمل الدنيا عن حساب الآخرة . والمؤمن