تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3547

مساهمون:

ص٣٥٤٧
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
( 1 ) ( سورة الفيل ) ونعلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم ير ما حدث في عام الفيل ؛ لأنه عام ميلاده ، ولكن حين يخبره اللّه بذلك فمعنى هذا أنه بلاغ عن اللّه ، والبلاغ عن اللّه يجعل الخبر القادم منه فوق الرؤية وأوثق وآكد منها . وهنا يأتي السؤال الاستنكارى :
« أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى » .
وعندما أعجزهم هذا السؤال في بعض مراحل الدعوة قال بعضهم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
( من الآية 3 سورة الزمر ) وكأنهم أخيرا يعترفون أن المتقرّب إليه هو اللّه ، ولكن الحق يحسم أمر الشرك فيقول على لسان رسوله :
« قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ »
فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لا يشهد بأي آلهة غير اللّه ، وألقى إليهم السؤال الاستنكارى لعلهم يديرون رؤوسهم ليهتدوا إلى صحيح الإجابة التي يوجزها الحق في قوله للرسول :
« قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » .
إن الكلام هنا موجه إلى فئة من المناوئين لرسول اللّه من عبدة الأوثان ، وهم بعض من الكافرين برسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والبعض الآخر هم بعض من أهل الكتاب ، هؤلاء الذين تغافلوا عن الكتب المنزلة إليهم ، وغابت عنهم الخمائر الإيمانية التي كانت ترد العاصي عن معصيته ، فانتشر الفساد في الكون . لذلك أرسل الحق رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأن العاصي لم يجد من يرده ، واختفت من المجتمع في ذلك الوقت النفس اللوامة ، وسادت فيه النفس الأمارة بالسوء . إن الحق سبحانه لم يترك أمر الرسول غائبا عن البشر ، فقد كان الرسول في كل أمة ينبئ ويخبر عن الرسول الذي يليه حتى يستعد الناس لاستقبال النذير والبشير ، ولذلك كانت كل الرسالات تتنبأ بالرسل القادمين حتى لا يظنوا أن مدّعيا اقتحم عليهم قداسة دينهم ، ولأن الإسلام جاء دينا عاما ، فلم يأت الخبر فقط بمحمد صلى اللّه عليه وسلم في الكتب السابقة ، ولكن جاءت أوصافه وسماته أيضا واضحة وبيّنه فيها .