تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3549

مساهمون:

ص٣٥٤٩
اللّه يعلمنا أن الإيمان إنما هو كسب للنفس ، فإياك أيها المؤمن أن تظن أن قولك : « لا إله إلا اللّه » هو سند لعرش اللّه . لا ، إنها سند لك أنت ؛ لأنه لا إله إلا هو خلق الكون والخلق بصفات الكمال والقدرة والعلم والحكمة ، واعتراف الخلق بألوهية اللّه وحده لا تزيد من كمال اللّه ولكنها تفيد العباد الذين آمنوا فيحسنون استقبال الأمر بعمارة الكون ، لتسير حركة الحياة في ضوء منهج اللّه فينسجموا مع الكون كله المسبح للّه .
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
( 20 ) ( سورة الأنعام ) فهو يخبر أهل مكة أن الصيحة الإيمانية التي صاح بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في آذانهم لم تكن صيحة مفاجئة للكون ، ولكنها صيحة بشرّ بها على لسان كل رسول ، وإذا كان أهل مكة قد بعدت صلتهم بالرسل والأنبياء وكانوا على فترة من الرسل ، فهم بجوارهم لأهل كتاب في المدينة يعلمون هذه الحقيقة التي جاء بها رسلهم مؤكدين للعهد الذي أخذه اللّه عليهم ؛ لأننا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق واستعمرهم في الأرض أرادهم موهوبين من قدرته سبحانه قدرة ، ومن غناه سبحانه غنى ، ومن علمه الكامل علما ، ومن حكمته المطلقة حكمة ، ومن رحمته الكاملة رحمة ، ومن قاهرية اللّه قهرا ؛ لأن الكون لا يمكن أن يستقيم إلا إن وجدت فيه هذه المتكاملات وإن كانت متناقضة ؛ لأن لكل صفة مجالها الذي تعمل فيه . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - نجد الإنسان منا حين يرحم ولده دائما يفسد الولد وإن لم يقس عليه مرة فأبوته ناقصة ، إذن ، فلا يمكن أن يكون المهيمن على الخلق رحيما فقط ، وإنما يجب أن يكون قاهرا أيضا ؛ لأن الموقف قد يتطلب القهر . ولا يريد الحق سبحانه وتعالى أن يطبع خلقه على خلق واحد ، ولكنه سبحانه يريد أن يجعلهم ينفعلون للمواقف المختلفة ؛ فالموقف الذي يتطلب رحمة ، يكونون فيه رحماء ، والموقف الذي يتطلب قسوة وشدة يكونون فيه قساة ، ولذلك يقول الحق في المؤمنين :