تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3546

مساهمون:

ص٣٥٤٦
لا تظلم عبدا مثقال ذرة ، ولا شهادة - إذن - أكبر من شهادة الحق لرسوله بأنه رسول من اللّه . ولو شاء الحق لجعلكم كلكم مؤمنين ، لكنه أراد للإنسان الاختيار . وحنان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على البشر هو الذي جعله يتمنى إيمانهم ، لكن الحق يقول للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
( 4 ) ( سورة الشعراء ) أي أن الحق يأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يشفق على نفسه وألّا يقتلها بالحزن عليهم لعنادهم وعدم إيمانهم . ولو أراد الحق لجعلهم جميعا مؤمنين بآية منه ؛ فمهمة الرسول هي البلاغ فقط . ولو شاء الحق لقهر الخلق جميعا على الإيمان به كما سخّر الكون ليخدم الإنسان وليسبح الكون بحمد اللّه . لكنه سبحانه ترك للخلق الاختيار حتى يأتي إيمانهم مثبتا صفة المحبوبية للّه ؛ لأن إيمان المختار هو الذي يثبت تلك المحبوبية . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إنما هو نذير وبشير بهذا القرآن المنزّل عليه بالوحي . والنذارة تأتى هنا لأن المجال مجال شهادة ؛ لأن الشهادة إنما تكون على خلاف ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو إلى الإيمان ، والمناوئون له يدعون إلى الكفر وإلى الشرك ، وشهادة اللّه أكبر من كل شهادة أخرى . لذلك يقرر الحق هنا بأن الرسول نذير بالقرآن . وهذا الخطاب موجه لتبليغ المعاصرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولمن وصله بعد ذلك أي شئ من القرآن ، فكأنه قد رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ووصله البلاغ عنه . فقد قال - سبحانه - :
( وَمَنْ بَلَغَ )
أي لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من البشر جميعا . وبوجه الحق على لسان رسوله سؤالا استنكاريا للمناوئين فيقول :
« أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى » .
إنه سؤال من سائل يثق أن من يسمع سؤاله لا بد أن ينفى وجود آلهة أخرى غير اللّه . إنه سؤال يستنبط الإقرار من سامعه . والمثال على هذا ما عرضه الحق على رسوله من أمر قد حدث في عام ميلاده فيقول :
تفسير الشعراوي — صفحة 3546 | محمد متولي الشعراوي