تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3545

مساهمون:

ص٣٥٤٥
قهر بحكمة وبعلم وليس قهر استعلاء وقهر جبروت وسيطرة . وحتى نوضح ذلك قد يجرى اللّه على أحد عباده قدرا بأن ينكسر ذراع ولده فيسوق الرجل ولده إلى طبيب غير مجرب ليقيم جبيرة لذراع الابن ، وتلتئم العظام على ضوء هذه الجبيرة في غير مكانها ، فيذهب الرجل بابنه إلى طبيب ماهر فيكسر يد الطفل مرة أخرى ليعيد وضع العظام في مكانها الصحيح . إن هذا الكسر كان لحكمة وهي استواء العظام ووضعها الوضع السليم . ولا يغيظ عبد من العباد الخالق أبدا ، ولكن الحق ينتصف للمغيظ . ونعلم أن الإنسان مخير بين الإيمان والكفر ، فإن كفر وعصى فليس له في الآخرة إلا العذاب ، إلا أن اللّه يجرى عليه قدر المرض فلا يستطيع أن يتمرد عليه ؛ لأنه سبحانه قاهر فوق عباده بدليل أنه متحكم في أشياء لا خيار للعباد فيها . وما دام الإنسان منا محكوما بقوسين ولا رأى له في ميلاده أو موته فلماذا - إذن - التمرد بالعصيان على أوامر اللّه ؟ ولنعلم أن الحق هو القاهر فوق عباده بقهر الحكمة وسبحانه يضع لكل أمر المجال الذي يناسبه وهو خبير بمواطن الداءات ، ويعالج عباده منها على وفق ما يراه . ويقول الحق من بعد ذلك :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 19 ]

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 19 ) لقد اختلف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع القوم المناوئين له . والاختلاف يتطلب حكما وبينة . والشهود هم إحدى البينات ، فما بالنا والشاهد هو اللّه ؟ ! إنه الشاهد والحكم والمنفذ . وشهادة اللّه لا تحايل فيها ، وحكمه لا ظلم فيه ، وإرادته