إن الذين قرأوا هذه الأوصاف لو أخرجوا أنفسهم عن سلطتهم الزمنية لآمنوا على الفور برسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما فعل « عبد اللّه بن سلام » رضى اللّه عنه حين قال : لقد عرفته حين رأيته وعرفته كابنى ، ومعرفتي لمحمد أشد ونسي هؤلاء أنهم هم الذين نصروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دون أن يدروا ؛ فقد كانوا يستفتحون به على الأوس والخزرج ، وقالوا للأوس والخزرج : قرب مجىء نبي منكم سنؤمن به ونتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم . وأسرع الأوس والخزرج للإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائلين :
لعل هذا هو النبي الذي توعدتنا به يهود ، هيا نسبق إليه .
إذن فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقتحم العالم بهذا الدين ، بل عرف نبأ مقدمه وبعثه وصورته ونعته كلّ من له صلة بكتاب من كتب السماء . إنّهم يعلمون أنه الرسول الخاتم الذي ختمت به أخبار السماء إلى الأرض .
ولذلك يقول الحق سبحانه :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 20 ]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 )
إذن فرسول اللّه معلوم مقدما من أهل الكتاب كمعرفتهم لأبنائهم ، ولكنّ بعضا منهم فضل السلطة الزمنية على الإيمان برسول اللّه فخسروا أنفسهم ، لأن الخسارة - كما نعرف - هي ضياع لرأس المال أو نقصانه . وهم خسروا أنفسهم لأن تلك النفوس كان يجب أن تحرص على مصلحة الأرواح التي جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلم لإصلاحها . إنهم بذلك قد منعوا الخير عن أنفسهم بتفضيل سلطان الدنيا الزائل على الإيمان باللّه ، وفي ذلك خيبة كبرى .
( راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور / أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )