تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3543

مساهمون:

ص٣٥٤٣
الآخرة ، ذلك أن خير الدنيا يحتاج إلى تحضير وجهد من البشر ، أما الخير في الآخرة فهو على قدر المعطى الأعظم وهو اللّه سبحانه وتعالى . إذن فكل خير الدنيا هو مجرد مس خير ؛ لأن الخير الذي يناسب جمال كمال اللّه لا يزول ولا يحول ولا يتغير ، وهو مدخر للآخرة . ولا كاشف لضر إلا اللّه ؛ فالمريض لا يشفى بمجرد الذهاب إلى الطبيب ، لكن الطبيب يعالج بالمهارة الموهوبة له من اللّه ، والذي يشفى هو اللّه .
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
( 80 ) ( سورة الشعراء ) لأن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الداء ، وخلق الدواء ، وجعل الأطباء مجرد جسور من الداء إلى الدواء ثم إلى الشفاء ، واللّه يوجد الأسباب ليسرّ ويفرح بها عباده ، فيجعل المواهب كأسباب ، وإلا فالأمر في الحقيقة بيده - سبحانه وتعالى - . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « تداووا عباد اللّه فإن اللّه تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد : الهرم » « 1 » . ونحن نرى أن الطبيب المتميز يعلن دائما أن الشفاء جاء معه ، لا به . ويعترف أن اللّه أكرمه بأن جعل الشفاء يأتي على ميعاد من علاجه . إذن فالحق هو كاشف الضر ، وهو القدير على أن يمنحك ويمسّك بالخير . وقدرته لا حدود لها . ويقول الحق من بعد ذلك :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 18 ]

وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 ) وقد رتب سبحانه وتعالى الكون والخلق بأسباب ومسببات . وكل شئ موجود هو واسطة بين شئ وشئ ، فالأرض واسطة لاستقبال النبات ، والإنسان واسطة بين أبيه وابنه ، ولنفهم جميعا أنّ الحق ، فوق عباده ، إنه غالب بقدرته ، يدير الكون بحكمة وإحاطة علم ، وهو خبير بكل ما خفى وعليم بكل ما ظهر .
هامش
( 1 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن أسامة بن شريك .