تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3542

مساهمون:

ص٣٥٤٢
لقد أخذ الاثنان أمر اللّه بقبول ورضا ؛ لذلك يقول الحق عنهما معا :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
( 107 ) ( سورة الصافات ) لقد اشترك الاثنان في قبول قضاء اللّه ، وأسلم كل منهما للأمر ؛ أسلم إبراهيم كفاعل ، وأسلم إسماعيل كمنفعل ، وعلم اللّه صدقهما في استقبال أمر اللّه ، وهنا نادى الحق إبراهيم عليه السّلام : لقد استجبت أنت وإسماعيل إلى القضاء ، وحسبكما هذا الامتثال ، ولذلك يجئ إليك وإلى ابنك اللطف ، وذلك برفع البلاء . وجاء الفداء بذبح عظيم القدر ، لأنه ذبح جاء بأمر اللّه . ولم يكتف الحق بذلك ولكنّ بشر إبراهيم بميلاد ابن آخر :
وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
( 112 ) ( سورة الصافات ) لقد رفع اللّه عن إبراهيم القدر وأعطاه الخير وهو ولد آخر . إذن فنحن البشر نطيل على أنفسنا أمد القضاء بعدم قبولنا له . لكن لو سقط على الإنسان أمر بدون أن يكون له سبب فيه واستقبله الإنسان من مجريه وهو ربه بمقام الرضا ، فإن الحق سبحانه وتعالى يرفع عنه القضاء . فإذا رأيت إنسانا طال عليه أمد القضاء فاعلم أنه فاقد الرضا . ونلحظ أن الحق هنا يقول :
« وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
اللّه سبحانه وتعالى يعلم أن أي عبد لا يتحمل أن يضره الحق ؛ فقوة الحق لا متناهية ولذلك يكون المس بالضر ، وكذلك بالخير ؛ فالإنسان في الدنيا لا ينال كل الخير ، إنما ينال مس الخير ؛ فكل الخير مدخر له في الآخرة . ونعلم أن خير الدنيا إما أن يزول عن الإنسان أو يزول الإنسان عنه ، أما كل الخير فهو في الآخرة . ومهما ارتقى الإنسان في الابتكار والاختراع فلن يصل إلى كل الخير الذي يوجد في