تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3540

مساهمون:

ص٣٥٤٠

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 17 ]

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) والضر هو ما يصيب الكائن الحي مما يخرجه عن استقامة حياته وحاله . فعندما يعيش الإنسان بغير شكوى أو مرض ويشعر بتمام العافية فهو يعرف أنه سليم الصحة ؛ لأنه لا يشعر بألم في عيونه أو ضيق في تنفسه أو غير ذلك ، لكن ساعة يؤلمه عضو من أعضاء جسمه فهو يضع يده عليه ويشكو ويفكر في الذهاب إلى الطبيب . إذن فاستقامة الصحة بالنسبة للإنسان هي رتابة عمل كل عضو فيه بصورة لا تلفته إلى شئ . ويلفت الحق أصحاب النعم عندما يرون إنسانا من حولهم وقد فقد نعمة ما ، فساعة تسير في الشارع وترى إنسانا فقد ساقه فأنت تقول : « الحمد للّه » لأنك سليم الساقين . كأنك لا تدرك نعمة اللّه في بعض منك إلا إن رأيتها مفقودة في سواك . وهكذا نعلم أن من الآلام والآفات منبهات للنعم . وأيضا قد تصيب منغصات الحياة الإنسان ليعلم أنه لم يأخذ نعم اللّه كلها فيقول العبد لحظتها : يا مفرج الكروب يا رب ، ولذلك تجد الإنسان يقول : « يا رب » حينما تأتيه آفة في نفسه ويفزع إلى اللّه . وقد قالها اللّه عن الإنسان :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 12 ) ( سورة يونس ) فالإنسان عندما يحس ضعفه إذا ما أصابه مكروه لا يمل دعاء اللّه ، سواء أكان الإنسان مضطجعا أم قاعدا أم قائما ، وعندما يكشف الحق عنه الضر قد ينصرف عن جانب اللّه ، ويستأنف عصيان اللّه وكأنه لم يدع اللّه إلى كشف الضر ، وهذا هو سلوك المسرفين على أنفسهم بعصيان اللّه . والنفس أو الشيطان تزين للعاصي بعد انكشاف الضر أن يغوص أكثر وأكثر في آبار المعاصي وحمأة الرذيلة . وقد ينسب الإنسان كشف الضر لغير اللّه ، فينسب انكشاف الضر إلى مهارة