تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3541

مساهمون:

ص٣٥٤١
الطبيب الذي لجأ إليه ، ناسيا أن مهارة الطبيب هي من نعم اللّه . أو ينسب أسباب خروجه من كربه إلى ما آتاه اللّه من علم أو مال ، ناسيا أن اللّه هو واهب كل شئ ، كما فعل قارون الذي ظن أن ماله قد جاءه من تعبه وكده وعلمه ومهارته ، ناسيا أن الحق هو مسبب كل الأسباب ، ضرّا أو نفعا ، فسبحانه هو الذي يسبب الضر كما يسبب النفع . ويلفت الضر الإنسان إلى نعم الحق سبحانه وتعالى في هذه الدنيا . وإذا ما رضى الإنسان وصبر فإن اللّه يرفع عنه الضر ؛ لأن الضر لا يستمر على الإنسان إلا إذا قابله بالسخط وعدم الرضا بقدر اللّه . ولا يرفع الحق قضاء في الخلق إلا أن يرضى خلق اللّه بما أنزل اللّه ، والذي لا يقبل المصائب هو من تستمر معه المصائب ، أما الذي يريد أن يرفع اللّه عنه القضاء فليقبل القضاء . إن الحق سبحانه يعطينا نماذج على مثل هذا الأمر ؛ فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السّلام يتلقى الأمر بذبح ابنه الوحيد ، ويأتيه هذا الأمر بشكل قد يراه غير المؤمن بقضاء اللّه شديد القسوة ، فقد كان على إبراهيم أن يذبح ابنه بنفسه ، وهذا ارتقاء في الابتلاء . ولم يلتمس إبراهيم خليل الرحمن عذرا ليهرب من ابتلاء اللّه له ، ولم يقل : إنها مجرد رؤيا وليست وحيا ولكنها حق ، وقد جاءه الأمر بأهون تكليف وهو الرؤيا ، وبأشق تكليف وهو ذبح الابن ، ونرى عظمة النبوة في استقبال أوامر الحق . ويلهمه اللّه أن يشرك ابنه إسماعيل في استقبال الثواب بالرضا بالقضاء :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
( 102 ) ( سورة الصافات ) لقد بلغ إسماعيل عمر السعي في مطالب الحياة مع أبيه حين جاء الأمر في المنام لإبراهيم بأن يذبح ابنه ، وامتلأ قلب إسماعيل بالرضا بقضاء اللّه ولم ينشغل بالحقد على أبيه . ولم يقاوم ، ولم يدخل في معركة ، بل قال :
يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
( من الآية 102 سورة الصافات )