إذن فكل الكائنات تسجد له ما عدا كل أفراد الإنسان ؛ فكثير منه يسجد للّه وكثير منه يحق عليه العذاب لأنه لا يطيع الحق . ومن يعص منهج اللّه غير مؤمن به يطرده اللّه من رحمته ، ومن يهنه اللّه بذلك فليس له تكريم أبدا . وقد أجمع الكون على السجود للّه ، إلا الإنسان فمنه الصالح المنسجم بعمله مع خضوع الكون للّه ، ويفرح به الكون ، ومنه من يغضب منه الكون لأنه يعصى اللّه .
إن اللغة العربية توضح لنا ذلك ؛ فالعرب يقولون : فلان نبت به الأرض من النّبوة وهي الجفوة والبعد والإعراض . . أي أن الأرض تكره شخصا بعينه ؛ لأنه لا انسجام للأرض مع كائن عاص .
ويقول الحق عن الذين يصرف عنهم العذاب من فرط رحمته بعباده لأنهم أطاعوه وكانت معاصيهم تغلبهم في بعض الأحيان فيتوبون عنها :
مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ
( 16 )
( سورة الأنعام )
ونعلم أن هذا الفوز هو أرقى درجات الفوز ؛ ذلك أن الفوز درجات ؛ فالفوز في الدنيا كالنجاح أو المال أو غير ذلك هو فوز معرّض لأن يضيع . وهو عرضة لأن يترك الإنسان أو يتركه الإنسان ، لكن فوز الآخرة هو الفوز الدائم الذي لا ينتهى .
وهذا هو الفارق بين نعم الدنيا ونعم الآخرة ، والإنسان يتنعم في الدنيا على قدر تصوره للنعيم ، فنجد الريفي - مثلا - يتصور النعيم أن تكون له مصطبة أمام داره يجلس عليها ، وعدد من القلل التي تمتلئ بالماء النقى ، فإذا ما انتقل هذا الريفي إلى المدينة فهو يتصور النعيم في منزل متسع فيه أثاث فاخر وأدوات كهربائية من ثلاجة وغير ذلك ، إذن فإمكانات النعيم مختلفة على حسب تصور الإنسان ، أما نعيم الآخرة فهو نعيم لا يفوته الإنسان ولا يفوت الإنسان ؛ لأنه نعيم من صنع الخالق الواسع العطاء . . إن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولذلك فالفوز بنعيم الآخرة هو الفوز المبين .
والحق سبحانه وتعالى هو المحيط بكل شئ علما واقتدرا :