العذاب عن عبد من العباد فالنار تمتثل لذلك الأمر .
« مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ »
وسبحانه فعال لما يريد ، وهو إن حاسبنا بالعدل فكل منا سيمسه شئ من عذاب جهنم ؛ ولكن رحمة اللّه هي التي تجعل النار لا تمس المؤمنين ؛ لأنه سبحانه وتعالى يعفو عن كثير ؛ ولأن للنار شهيقا ، فهي تستنشق المكتوب عليهم العذاب ، ونعلم أن الشهيق يتم بسرعة أكبر من الزفير . والشهيق في الحياة يكون للهواء .
والسبب ازدياد سرعة الشهيق عن الزفير أن في الشهيق مهمة استدامة الحياة الأولى وهي إمداد الجسم بالهواء ، والإنسان - كما نعلم - لا يصبر على الهواء إلا لأقل مدة ممكنة . ومن رحمة اللّه أنه لم يملّك الهواء لأحد . وهذا الشهيق الذي يعطى الحياة في الأرض يوجد - أيضا - في الآخرة وهو منسوب إلى النار ، إنها تشهق لتبتلع العصاة ، وهي بذلك تؤدى مهمتها الموكولة لها . ونعرف أيضا أن النار تؤدى مهمتها بغيظ طبقا لما قاله الحق سبحانه :
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
( من الآية 8 سورة الملك )
فهل تؤدى النار مهمتها وهي غير راضية عنها ؟ وهل تختلف النار عن كل كائنات الحق التي تؤدى مهمتها بسعادة وانسجام ؟ إن النار تميّز من الغيظ لأن الكافر من هؤلاء لم يعرف قيمة الإيمان ، وللنار مشاعر مثل بقية المخلوقات . وللكون كله مشاعر ؛ فالكون - على سبيل المثال - قد فرح بميلاد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فالأرض والسماء والنجوم والشجر وكل الكون فرحت بمقدم الرسول الكريم ؛ لأن كل هذه الكائنات مسخرة للإنسان وهي مسبحة للّه وطائعة بطبيعتها ، مثلما يأتي البشير ليهدى الإنسان إلى الصراط المستقيم ليجعله طائعا ، فهي تفرح بمقدم هذا البشير .
ونعرف أن المكان الذي يوجد به الإنسان ، هذا المكان يفرح إن كان الإنسان فيه طائعا ، وهذا المكان نفسه يحزن إن كان الإنسان عاصيا ، ويضج المكان - أي مكان - بوجود أي عاص فيه . ونرى ذلك واضحا في قول الحق سبحانه وتعالى عن قوم فرعون :
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها