تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3472

مساهمون:

ص٣٤٧٢
العليم بكل شئ يعلم أن ذلك لم يخطر له على بال ، وهذه هي العلة في إيراد ثلاث صور في هذه الآية . الصورة الأولى هي قوله سبحانه وتعالى :
« سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ »
وهذا تنزيه من عيسى لربه ، والصورة الثانية هي قول عيسى :
« إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ » ،
والصورة الثالثة هي :
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ » .
إذن فلا شئ من عند عيسى ، وقد يسأل سائل : وماذا يكون في النفس ؟ الذي يكون في النفس هو ما أسرّ به ولم يظهر ؛ لأن النفس تطلق مرة ويراد بها الذات التي تضم الروح والجسد معا ، وعندما تطلق على ذات اللّه فنحن ننزهها عن أن تكون أبعاضا ، ولكنها ذاته المأخوذة في نطاق التنزيه . والمثال هو قول الحق :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
( من الآية 54 سورة الأنعام ) وهكذا يكون فهمنا لمجىء كلمة « نفس » منسوبة للّه ، إنه المنزه أن يكون مثلنا ، فلله وجه ولنا وجه ، ولكن وجه اللّه نفهمه في نطاق
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
وكذلك يد اللّه وكذلك كل صفات اللّه . ونعلم أن للّه أسماء أعلمنا ببعضها ، وعلّم بعضا من خلقه بعضها ، واستأثر ببعضها لذاته . وهناك بعض من الصفات للّه تأتى لمجرد المشاكلة ، كقول الحق :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
( من الآية 142 سورة النساء ) ولا نقول أبدا : إن اللّه مخادع ، ولكن الصفة هنا جاءت للمشاكلة لذكرها في مقابلة يخادعون اللّه . ولذلك لا نأخذ منها اسما للّه ، بل إنه جاء للرد على ما يبدر من أعداء اللّه . ويختم عيسى ابن مريم قوله :
« إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
و « علّام » هي مبالغة في ذات الحدث ، ومبالغة في تكرير الحدث ، فهو سبحانه يعلم غيب كل واحد من خلقه وغيب كل ما في كونه ، وهكذا جاء القرآن برد عيسى عليه السّلام وهو رد يستوعب كل مجالات الإنكار على الذين قالوا مثل هذا القول . ويتابع القرآن على لسان عيسى عليه السّلام ما يناقض ما قاله بعض من أتباعه