أَمْرُ اللَّهِ »
فمعنى ذلك أن أمر اللّه آت لا محالة ، لأنه لا قدرة تخرج مراده على ألّا يكون . وأي فعل من الحق سبحانه وتعالى إنما يتجرد عن ملابسات الزمان وعن ملابسات المكان ، فإن كنا نقرأ على سبيل المثال قوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
( من الآية 100 سورة النساء )
فليس معنى ذلك أن مغفرة اللّه ورحمته قد مضى زمانها وانقضى وقتها . ولكن لنقل : كان اللّه غفورا رحيما ولا يزال غفورا رحيما ، فسبحانه وتعالى غفور ورحيم قبل أن يوجد من يغفر له ويرحمه ، ومن باب أولى يكون غفورا رحيما بعد أن يوجد من يستحق المغفرة والرحمة . وسبحانه منزه عن أن تعتريه الأحداث فيتغير ؛ لأن الزمن مخلوق من اللّه ، فلا تقل متى أو أين ؛ لأنهما به وجدا . والحق يأتي بالماضي لأنه متحقق الوقوع ، ليثبت حدوث أمر لم يحدث بعد ، ذلك لأن اللّه إذا قال عن شئ إنه سيحدث فلا بد أن يحدث .
ويؤكد الحق سبحانه في أي كلام عن عيسى ابن مريم على أنه « ابن مريم » وهنا يسأل الحق عيسى - عليه السّلام - :
« أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
ونعرف أن السؤال إنما يأتي دائما على وجهين : إما سؤال يعرف به السائل ما كان يجهله فيريد أن يعلمه من المسؤول ، كقول القائل : أقابلك فلان أمس ؟ وإما أن يأتي السؤال لا ليعلم السائل من المسؤول ، ولكن ليقرر السائل المسؤول .
ومثال ذلك - وللّه المثل الأعلى - يسأل التلميذ أستاذه ليتعلم منه وليخبره الأستاذ بعلم جديد وخبر جديد . وأيضا يسأل الأستاذ التلميذ ليقرره بالحقيقة ويوافقه عليها لتستقر لدى التلميذ . وسؤال اللّه عيسى من النوع الأخير ؛ ليكون ذلك حجة على من قال بألوهية عيسى أو بنوته للّه . وحاول بعض المستشرقين أن يشككوا في القرآن فقالوا : إن هناك تناقضا في القرآن - والعياذ باللّه - واستندوا على ذلك بقول الحق :
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ
( 24 )
( سورة الصافات )
أي أن الحق يقرر أن كل كائن مسؤول عما يفعل ويعتقد ، ولكنه سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم :