فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
( 39 )
( سورة الرحمن )
فهل معنى ذلك أنهم لن يسألوا ؟ لا ، بل سوف يسألون ليقرروا ما فعلوا لا ليعلم اللّه منهم ما فعلوا ، فهو سبحانه عليم بكل شئ . وهؤلاء المستشرقون لا يعلمون أن السؤال يرد عند العرب على وجهين ، وجه ليعلم السائل ، ووجه ليقرر المسؤول ، وسؤال الحق للناس يوم القيامة ليقرروا ما فعلوا وما كان منهم ؛ لأن الإقرار سيد الأدلة ، وليس سؤال الحق سبحانه هو سؤال من يرغب في أن يعلم فسبحانه عليم بكل شئ ، وعلى الإنسان أن يحتفظ بالمقام الذي وضعه فيه ربه ، وكذلك كان عيسى ابن مريم . وكذلك يكون سؤال اللّه لعيسى ، إنه لتقريع وتأنيب وتوبيخ من قالوا عن عيسى ما لم يبلغهم إياه .
إن عيسى عليه السّلام لم يبلغهم ولم يطلب منهم أن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون اللّه ؛ لأن عيسى ابن مريم ، إنما يبلغ ما أوحى إليه من ربه فقط ، ولهذا تأتى إجابة عيسى ردا على أي تزيّد من الأتباع :
« قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ »
وساعة نسمع « سبحانك » فلنعرف أنها إجمال التنزيه للّه ، وهو تنزيه أن يشابهه خلق من خلق اللّه ، فلله وجود ، وللإنسان وجود ، ولكن إياك أيها الإنسان أن تقول : إن وجودي كوجود اللّه ؛ لأن وجود اللّه ذاتي ، ووجودك غير ذاتي وكل ما فيك موهوب لك من اللّه ؛ لذلك فلا غناك مثل غنى اللّه ، بل غناه ذاتي وغناك موهوب منه سبحانه ، ولا أي صفة من صفاتك كصفات اللّه ، فله سبحانه مطلق القدرة والقوة ، وعليك أن تأخذ كل شئ يتعلق باللّه في نطاق « سبحانه » و
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » .
وكذلك يكون تنزيه عيسى لربه وخالقه :
« سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ »
فعيسى ابن مريم يعلم أن الرسول المصطفى من اللّه ليس له أن يقول إنه إله . ويرد عيسى على ذلك بقضية متفق عليها :
« إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ »
لأن الكل متفق على أن اللّه يعلم كل ما يبدر من العباد من سلوك وأقوال وأفعال
« يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ » .
والكل يعلم ارتفاع الحق وتنزهه عن أن يوجد له معلوم جديد لم يعلمه من قبل . والكل يعلم - كذلك - أن اللّه يعلم خفايا الصدور ؛ لذلك يقول عيسى :
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
ويقرر أن الحق