تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3464

مساهمون:

ص٣٤٦٤
الأعلى - عندما يسأل الأطفال عن شئ من الذي أحضره ؟ فإننا نجد الإجابات تتسلسل إلى أن تصل إلى أن معطى كل شئ هو اللّه ، فإن سأل الطفل أمه : ماذا سنأكل ؟ وتجيب الأم - على سبيل المثال - سنأكل بامية مثلا . ويسأل الطفل : من أين ؟ تجيب الأم : اشتراها والدك من بائع الخضر . ويسأل الطفل : ومن أين جاء بها بائع الخضر ؟ تقول : الأم : من تاجر في السوق . يسأل الطفل : ومن أين جاء بها التاجر ؟ تجيب الأم : من الفلاح الذي حرث الأرض وبذر فيها بذور البامية . يقول الطفل : من الذي خلق الأرض وأنبت النبات ؟ تقول الأم : إنه اللّه ربنا خالق كل شئ . لقد وصلت الأم بحوارها مع الطفل إلى عطاء الربوبية الذي يستوى فيه المؤمن والكافر ، والمؤمن هو الذي يأخذ بجانب عطاء الربوبية عطاء الألوهية أيضا ، وهو التكليف . فعطاء الألوهية يعطى المؤمن عطاء الربوبية مضافا إليه العطاء الذي لا ينفد ، إنه يعطى المؤمن زمانا لا يموت فيه ونعمة لا يتركها ولا تتركه ، ويأخذ المؤمن بالمنهج يقين الإشراق والإقبال على العمل في ضوء منهج اللّه . لقد قال عيسى ابن مريم داعيا اللّه :
« اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ »
وألزم عيسى نفسه بنداء الألوهية أولا معترفا بالعبودية للّه ملتزما بالتكليف القادم منه ثم جاء بنداء الربوبية . فيا من أنزلت علينا التكليف ويا من تتولى تربيتنا نحن ندعوك أن تنزل علينا مائدة من السماء . وأخذ نداءه زاوية القيم ثم زاوية المادية وهي الرزق ، لكن الحواريين قدموا بشريتهم فطلبوا من المائدة الأكل والطعام فقالوا :
( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) ،
أما عيسى ابن مريم بصفائية اختياره رسولا فقد أخر الطعام عن القيم فقال :
( اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) .
صحيح أن الرزق يمس الأكل ، ولكن الرزق ليس كله أكلا . فالرزق هو كل شئ تحتاج إليه وتنتفع به ، فالأكل رزق ، والشرب رزق ، والملبس رزق ، والعلم رزق ، والحلم رزق ، وكل شئ تنتفع به هو رزق من عند اللّه ، ولذلك جاء عيسى