تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3462

مساهمون:

ص٣٤٦٢

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 114 ]

قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 114 ) وقوله الحق :
« مائِدَةً مِنَ السَّماءِ »
إنما يعنى أن هناك للّه موائد منصوبة في الأرض . والكون كله مائدة فيها من الخير الكثير إن استطاع الإنسان أن يكد ويكدح . والإنسان منا عندما يكد ويكدح ويستخرج من الأرض الزرع ويرعى الحيوانات فإنه يأتي إلى زوجه بمخزون قد يكفيهم كأسرة لمدة عام من دقيق وأرز وعسل وسكر وزيت ، فتأخذ الزوجة طيرا فتذبحه وتطهو معه الخبز والخضراوات . إذن فالكون كله مائدة اللّه المنصوبة والتي يأخذ منها كل إنسان على قدر عمله . وكلمة « مائدة » لا تطلق إلا على الخوان وعليه طعام . أما إن كانت بغير طعام فنطلق عليها « خوانا » ؛ لأن « المائدة » مأخوذة من مادة « الميم والألف والدال » والمائدة تميد أي تضطرب من كثرة ما عليها من أشياء . أو هي تعطى مما عليها من أشياء . فالمائد هو المعطى . وقول عيسى عليه السّلام يمتلئ بكل المعاني القيمة ، فهو يطلب أن تكون المائدة مناسبة لعيد يفرح به الأولون والآخرون وآية من الحق سبحانه وتعالى ، ويطلب من فضل ربوبية الرازق أن يرزقهم ، ويعترف بامتنان أن الحق هو خير الرازقين . والمقارنة بين قول الحواريين وقول عيسى تدلنا على الفارق بين إيمان المبلغ عن اللّه ، وإيمان الذين تلقوا البلاغ عن عيسى . إيمان عيسى هو الإيمان القوى الناضج . أما إيمان الحواريين فهو إيمان ناقص ، لقد كانت قوة إيمان عيسى نابعة من أنه يتلقى عن اللّه مباشرة ، أما الحواريون فليسوا كذلك ، على الرغم من أنهم آمنوا بالبلاغ