إنها لن تنتظر إلا سماع الأمر فقط . وساعة تسمع الأمر فهي تنفعل ، ومعنى تنفعل أي تطيع . وكل الكون مطيع لخالقه سبحانه وتعالى . أو يكون معنى هل يستطيع : هل يفعل . وذلك من باب التعبير عن المسبب بالسبب ؛ إذ الاستطاعة من أسباب إيجاد الفعل . وقيل المراد : هل تستطيع سؤال ربّك من غير صارف ولا مانع يمنعك عن سؤاله ؟ فقد قرأ الكسائي وغيره هل تستطيع ربّك بنصب كلمة ( ربّك ) وأصلها هل تستطيع سؤال ربّك ، فحذف المضاف ( سؤال ) وأقيم المضاف إليه وهو كلمة رب مقامه فنصب . وقال الزمخشري : ما وصفهم اللّه بالإيمان والإخلاص ، وإنما حكى ادعاءهم . وقولهم :
( هَلْ يَسْتَطِيعُ )
كلام لا يتأتّى مثله من مؤمنين معظمين لربهم .
وقال الحواريون ما جاء به القرآن الكريم :
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 113 ]
قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 113 )
وكأنهم أرادوا أن يتشبهوا بسيدنا إبراهيم خليل الرحمن عندما سأل اللّه عن كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه . لقد آمنوا بعلم اليقين ، ويريدون الآن الانتقال إلى عين اليقين ؛ لذلك سألوا عن المائدة التي صارت بعد ذلك حقيقة واضحة .
وهكذا نعرف أن هناك فارقا بين أن يؤمن الإنسان بذاته ، وأن يشهد بالإيمان عند غيره . فالذي يشهد بالإيمان عند غيره يحتاج إلى يقين أعمق .
ويخبرنا الحق بما قاله عيسى عليه السّلام - وهو يختلف عن قولهم في هذه المائدة - قال سبحانه :