وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
( من الآية 112 سورة الأنعام )
والمثال على ذلك هو إرادة الحق في أن يجعل صيحة الإيمان في الجاهلية تأتى أولا إلى أذن سادة العرب جميعا وهم قريش الذين لا يجرؤ أحد على التعرض لهم ، لكن النصر لا يأتي لمحمد وهو في مكة حيث كانت مقام السيادة ؛ لأن النصر لو حدث في أول الدعوة ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يحيا بين قومه في مكة لقال قائل : لقد حدث النصر من قوم ألفوا السيادة وأرادوا أن يسودوا العالم كله لا الجزيرة العربية وحدها ، وأن قريشا قد ساندت محمدا لاستبقاء هذه السيادة وبسطها على غيرهم ، ولكنه - سبحانه - جعل مقام النصر ينبع من المدينة المنورة .
إنّ الصرخة أولا جاءت في أذن السادة ثم التف حولها المستضعفون في الأرض الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم ، ثم هاجروا وقوّاهم اللّه من بعد ذلك على الأقوياء .
إننا نجد كل داع إلى اللّه يأتي إنما يريد استبقاء خير النبوات حتى لا يأتي الران على القلوب ، وإن استبقاء هذا الخير يغضب منه الجبابرة والمنحرفون الذين يريدون السيادة على العالم بفكرهم . والداعية إلى اللّه الذي لا تجد له عدوا يصيبه بالسوء حظه من ميراث النبوة ضعيف ، والداعية الذي له أعداء له من ميراث النبوة الشئ الكثير .
والكافرون بعيسى عليه السّلام عندما رأوا قوة الآيات التي جاء بها عيسى عليه السّلام . قالوا :
« إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ »
وهذا يعنى أن معجزات عيسى عليه السّلام قد أحفظتهم وأغضبتهم وأحنقتهم وملأت مشاعرهم بالخيبة . إنّه قول من قوم يكرهون منهج الحق ، وعلى ذلك يكون كفر الكافر نعمة يدعم بها الحق الداعي إليه ؛ لأن ذلك يحفزه ويدفعه إلى الدفاع عن دين اللّه ، فمقاومة الإيمان تظهر قوة المؤمن بالعقيدة التي يؤمن بها .
ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك :