تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3436

مساهمون:

ص٣٤٣٦
من مواجهة ثلاثة فقد فعل ما يحمى حياته ؛ لأن الدين لا يدعو إلى الانتحار ؛ لذلك نقول لمن يبغون تغيير المنكرات في الدنيا : لا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة ولا تقاتلوا عدوّا يغلبكم بكثرته . واتبعوا قول النبي الصادق الأمين على استمرار أمته ما دامت تتمسك بمنهج اللّه . وتغيير المنكر بالقلب يتمثل - كما قلنا - في مقاطعة المنحرف مصداقا لقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ »
ونلاحظ أن « على » حرف جر ، والكاف للخطاب ، والميم للجمع ، و « أنفسكم » منصوبة . فعليكم هي « اسم فعل » أي هي ليست اسما على حقيقته وليست حرفا على حقيقته ، بل هي حرف دخل على ضمير فأدى مؤدى اسم الفعل ، أو هو اسم فعل منقول من الجار والمجرور .
« عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ »
أي الزموها ، وحافظوا عليها ، ومن الهداية أن نعرف كيف نواجه القضايا بالعقيدة الإيمانية ، فينظر المؤمن إلى الكمية العددية للمهتدين ، والكمية العددية للضالين . فإن كانت الكمية العددية مساوية فلتقبل على المواجهة . وإن كانت الكمية الضالة ضعف الكمية المؤمنة فلتقبل الكمية المؤمنة على المواجهة أيضا . وإن كانت الكمية الضالة أكثر من الضعف فالمؤمن معذور إن حمى نفسه بعدم المواجهة ، ولكن عليه أن يقاطع كل منكر أو فاعل المنكر . كلنا نعرف تماما أن كل فرد يحب أن تكون له مكانة في المجتمع . فإن رأى الإنسان أن الصيت والمكانة والذكر الحسن للصادق المستقيم فالإنسان يتجه إلى أن يكون صادقا مستقيما . وإن رأى الفرد أن المكانة في المجتمع تكون للكاذب المنحرف فهو يتجه إلى أن يكون كاذبا منحرفا ؛ لذلك فعلى المؤمنين ألا يكرّموا إلا من يسير على المنهج الصالح . فقد روى الإمام أحمد قال : قام أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )
وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يقول : ( إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك اللّه - عز وجل - أن يعمهم بعقابه ) .