تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3413

مساهمون:

ص٣٤١٣
وهنا في هذه الآية يوجد عنصران : المكان ، الزمان ، المكان هو البيت الحرام ، والزمان هو الشهر الحرام ، والذي يحدث الفعل فيه نسميه : المفعول فيه ، وهو إما ظرف مكان وإما ظرف زمان . وأراد الحق سبحانه بذلك أن يؤكد ما فيه قيام الناس زمانا ومكانا ، فلو أنه سبحانه لم يفعل ذلك بالنسبة للزمان وهو الأشهر الحرم ، والمكان وهو الحرم ، لاستمرت الحرب بين قبائل العرب إلى ما لا نهاية . ولذلك أراد بالأشهر الحرم أن يعطى للعقل فرصة للتأمل في أسباب الحرب ، ويعطى كل إنسان من العرب الراحة من القتال . وكان كل عربى في ذلك الزمن يهتم بالاستعداد للقتال اهتمامه بالطعام والشراب ، فكل منهم تربى على الفروسية والقتال والضرب بالرمح والمبارزة بالسيف . وحينما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لينساح بالدعوة في أرض اللّه صحب معه الكثير من الرجال الذين لم يكونوا في حاجة إلى التدريب على أعمال الحرب ، فقد كان كل الناس تقريبا جاهزين للقتال . وكأن اللّه سبحانه أراد للإسلام أن ينهى الثأر بين القبائل ، وأن يستفيد الإسلام من استعداد كل عربى للقتال . واستفاد الإسلام أيضا من أن أمة العرب كانت - غالبا - متبدية ؛ بيت كل إنسان منهم على ظهر البعير ، يشد رحاله ، وينصب خيمته وينام ؛ لأن الناس إنما ارتبطوا بالأوطان عندما بنوا المنازل ، فمن بنى لنفسه بيتا في مكان ما فهو يشتاق إلى ما بناه . وكأن الحق قد أعدهم للانسياح بكلمة اللّه في الأرض فلا يحزن لترك مكان إلى مكان آخر ، بل إن الشخص منهم كان يذهب إلى البلاد ويتوطن فيها ليؤصل الوجود الإسلامي . فكان كل واحد منهم نواة الخير للأمم التي انساحوا إليها ؛ فمن ذهب منهم إلى الشام توطن فيها ولم يصعب عليه فراق الجزيرة . وكذلك من ذهب إلى مصر وغيرها من البلدان . إذن فقد أراد الحق بحرمة الأشهر الحرم والبيت الحرام أن يرتاح العرب من القتال بدلا من أن تهلك الحرب الحرث والنسل ، وأراد الحق ذلك قياما للناس ، واستبقاء للنوع . وكذلك حرم اللّه : « الهدى والقلائد » والهدى هو الذي يهدى للحرم فيأكله