تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3412

مساهمون:

ص٣٤١٢
أي أسبغ عليهم النعمة بالطعام وسلبهم المضرة بالخوف ، وأبقى لهم السيادة والجاه بخدمة الكعبة التي جعلها اللّه للناس جميعا قياما وأمنا ؛ لأن الذين يذهبون إلى حج البيت يكفر عنهم سبحانه سيئاتهم ويخرجون من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم ، وهذا قيام لحياتهم الأخروية أيضا . إذن جعل اللّه البيت الحرام قياما لكل ألوان الحياة ، والبيت الحرام مكان كما نعلم . وجعل الحق الشهر الحرام أيضا قياما للحياة ، والشهر الحرام هو زمان كما نعلم . والشهر الحرام هو أحد الأشهر الحرم الأربعة : شهر منها فرد أي غير متصل بغيره من الأشهر الحرم وهو رجب - ولذلك يسمى رجب الفرد - وثلاثة سرد أي متتابعة يلي بعضها بعضا وهي : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم . والمراد بالشهر الحرام هو الجنس لكل شهر من الأشهر الحرم . ونعلم أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى فاعل . والفاعل يحتاج إلى زمن ليفعل فيه الفعل ، وإلى مكان يفعل فيه ، وإلى سبب يدعو إلى الفعل ، وإلى قدرة تبرز هذا الفعل . ولذلك نذكر جميعا قول الحق سبحانه :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
( سورة الكهف ) فإياك أن تقول : إني فاعل ذلك غدا إلا بعد أن تتبعها بقولك : « إن شاء اللّه » . ولا يمنعنا هذا أن نخطط لمستقبلنا . فمادمنا قد استعنا بالمشيئة ، فلنا أن نخطط لحياتنا . ونقول : « إن شاء اللّه » لأن عناصر الفعل : فاعل ، ومفعول يقع عليه الفعل ، وزمان ، ومكان ، وسبب ، وقدرة تبرز الفعل . ولا أحد منا يملك واحدا من هذه العناصر ، فأنت أيها الإنسان لا تملك وجود ذاتك غدا ، ولا تملك وجود المفعول غدا ، ولا تملك الزمان ، ولا تملك المكان ، ولا تملك السبب ؛ لأنه من الجائز أن يتغير ، ولا تملك القدرة على الفعل ، فقد تسلب منك القدرة قبل أن تفعل الفعل . إذن ، فأنت لا تملك من عناصر الفعل شيئا . فلا تجازف وتقول : أنا أفعل ذلك غدا . بل أسندها إلى من يملك كل العناصر ، وقل : « إن شاء اللّه » ، وبذلك لا تكون كاذبا .