تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3410

مساهمون:

ص٣٤١٠
لقد دعا إبراهيم عليه السّلام بالرزق من الثمرات ، لأن الوادي غير ذي زرع ، ولذلك جعل الحق أفئدة الناس تهوى إلى الكعبة وإلى البيت الحرام . يقول - سبحانه - :
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا
( من الآية 57 سورة القصص ) وكلمة « يجبى » تدلنا على أن الناس لا تأتى بهذه الثمرات اختيارا إلى البيت الحرام الذي جعله اللّه قياما لحياة من يوجد فيه ، بل يأتون بالثمرات قهرا . وهناك أناس لهم مزارع كبيرة وحدائق وفيرة الثمار في الطائف وفي غيرها من البلاد ، وعندما يريد إنسان الشراء من نتاج مزارعهم يقولون له : إنه مخصص لمكة فإن أردت شراءه فاذهب إلى مكة . لقد استجاب الحق لدعاء إبراهيم :
( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) .
و « تهوى » - بكسر الواو - تدل على السقوط من حالق . . أي من مكان مرتفع شاهق . وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان مقذوفا إليها . ولذلك نجد الكلف بالحج - المحب له والمتعلق به - تشتاق روحه إلى الحج . وعلينا أن نفرق بين « يهوى » . . أي يحب الذهاب ، و « يهوى » بكسر الواو أي يذهب بالاندفاع ، فالإنسان إن سقط من مكان عال لا يستطيع أن يقول : سأتوقف عند نقطة ما في منتصف مسافة السقوط ؛ لأن الذي يقع من مكان لا يقدر على أن يمسك نفسه . ولذلك قال الحق :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
( من الآية 37 سورة إبراهيم ) وهذا دليل على أن الهوىّ ليس من صنعة الجسم ، ولكنه من صنعة الأفئدة . والأفئدة بيد اللّه - سبحانه - هو الذي جعلها تهوى ، والكعبة هي البيت الحرام ، وهي قوام لحياة الناس ، وسبحانه القائل :