الناس هناك ، ذلك لأن الحرم موجود بواد غير ذي زرع . والهدى هو البهيمة التي يتطوع بها أي إنسان ويضع حول عنقها قلادة من لحاء وقشر الشجر أو غير ذلك ، وعندما يرى الناس القلادة يعرفون أن تلك البهيمة مهداة للحرم فلا يقربها أحد حتى صاحبها وإن قرصه وعضه الجوع ، وفي ذلك قيام للناس .
وتتابع الآية :
« ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » ،
و « ذلك » تشير إلى الأمور التي تقدمت كلها ، و
« لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ »
أي أنه مدبر لهم ما يحفظ حياتهم في كل حال من أغيار الحياة ؛ فقد رتب سبحانه لهم حفظ الأرواح ، وحفظهم من الجوع ، وآمنهم ، وحفظ لهم السيادة ، كل ذلك بتدبيره وهو الحكيم . لقد دبر كل شئ أزلا ، وأتت الأمور على وفق ما دبر من خير ومصلحة ، فإذا كان كل ذلك قد فعله سبحانه وتعالى فلأنه الأعلم والأحكم .
وقد حدث كل ذلك بعلمه وحكمته ، ونؤمن أن ما لا نعرفه قد فعله وصنعه - أيضا - بهذه الحكمة المطلقة وذلك العلم المطلق .
« ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
لقد رتب حياة الناس في الجزيرة وحول البيت الحرام على الرغم من أنهم قبل الرسالة كانوا يعبدون الأصنام ، ولكنه هداهم بالرسالة المحمدية . ولذلك قال :
« اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
فسبحانه جعل البيت أمنا وأمانا ، وهذا إخبار شرعي لا إخبار كونى .
والفرق بين الإخبار الكوني والإخبار الشرعي أن الإخبار الكوني لا بد أن يحدث لأنه لا دخل للناس به ، أما الإخبار الشرعي فهو أمر يجب أن يقوم الناس بتنفيذه ، فإن أطاع الناس الخبر القادم من اللّه جعلوا البيت آمنا ، وإن أساءوا جعلوه غير آمن .
وفي زماننا القريب عندما اعتدى شاب يدعى جهيمان على الحرم ، تساءل الناس : كيف يعتدى إنسان على الحرم وقد أراده اللّه حرما آمنا ؟ وقلنا : إن أمر اللّه بجعل البيت حرما آمنا هو أمر شرعي ينفذه المؤمنون إن أطاعوا ، وإن لم ينفذوه فهم غير مؤمنين . والمثال على الأمر الشرعي والكوني قوله الحق :