لها : إلى اللّه . تقول : رضيت باللّه . هنا تركته سيدتنا هاجر ليمشى كما أراد ، فاللّه لن يضيعها لا هي ولا ابنها ؛ لأنها قالت : رضيت باللّه .
وقص رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - علينا قصتها ، والسعي الذي قامت به بين الصفا والمروة ، وكيف كانت ثقتها في أن الخالق الأكرم لن يضيعها لا هي ولا ابنها ، بل سيرزقهما ، فتسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد طيرا يدلها على موقع للماء ، وتعود إلى المروة لعلها تجد قافلة تسير . إنها تأخذ بالأسباب مع علمها أنها في صحبة المسبب الأعظم . وسعت سبعة أشواط . وهي الأنثى وفي تلك السن ، وذلك من لهفتها على توفير شربة ماء لطفلها .
السعي - كما نعرفه - عملية شاقة . ولو أن اللّه أعطاها الماء على الصفا أو على المروة لما أثبت لها كلمتها : « إن الله لا يضيعنا » . ولكن الحق يعطيها الماء عند قدمي طفلها الرضيع . وبذلك يكون سبحانه قد نبهنا وأرشدنا إلى قضيتين : أما الأولى فإن الإنسان يلزمه أن يسعى على قدر جهده ، وأما الثانية فهي أن السعي لا يعطى بمفرده الثمرة ، ولكن الثمرة يعطيها اللّه . وجعل اللّه من السعي بين الصفا والمروة تعليما لنا بدرس عملي تطبيقي أن نأخذ بالأسباب ولا ننسى المسبب ؛ لأن فتنة الناس تأتى من الغرور بالأسباب .
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
( 7 )
( سورة العلق )
إنه لا يصح أبدا أن تعزلك الأسباب عن المسبب ، ولا تقل سأبقى مع المسبب إلى أن تأتيني الأسباب ، لا ، كن دائما مع الأسباب ، وتذكر دائما المسبب . ولذلك نقول : إن الجوارح تعمل ، ولكن القلوب تتوكل . وهذا هو المغزى من عطاء الحق سبحانه الماء لهاجر عند قدمي ابنها ، وبذلك تستجاب دعوة إبراهيم التي دعا بها اللّه :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
( 37 )
( سورة إبراهيم )