هكذا يكون الإيمان باللّه وصلا لحياتين : الحياة المادية في الدنيا ، وحياة الآخرة .
وأراد الحق بذلك دفع الأذى وجلب النفع والجاه والسيطرة للمؤمنين ، ونعرف أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ
( 96 )
( سورة آل عمران )
كذلك نعرف أن إبراهيم عليه السّلام هو الذي أقام القواعد من البيت ، أما البيت نفسه فقد أقيم من قبل ذلك . وما دام الحق سبحانه قد قال :
وُضِعَ لِلنَّاسِ
( من الآية 96 سورة آل عمران )
فمعنى ذلك أن اللّه لم يحرم الناس من قبل إبراهيم أن يكون لهم بيت . فالناس معناها البشر من آدم إلى أن تقوم الساعة ، وأقام إبراهيم خليل الرحمن البعد الثالث وهو رفع القواعد للبيت الحرام . والحق سبحانه وتعالى يقول :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
( من الآية 26 سورة الحج )
أي أن الحق سبحانه وتعالى أظهر مكان البيت لإبراهيم عليه السّلام ، ونعرف أن إبراهيم أشرك ابنه إسماعيل في إقامة القواعد من البيت ، ونعلم أن إسماعيل قد جاء إلى هذا المكان رضيعا مع أمه ، وقال إبراهيم بعد أن رفع القواعد متوجها إلى ربه بالدعاء :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
( من الآية 37 سورة إبراهيم )
لقد عرف إبراهيم مكان البيت وأنه بواد غير ذي زرع ، لا ماء فيه ولا نبات .
وجاء الحق بهذه الكناية لنعرف أنه لا حياة بدون زرع ، والماء لازم للزرع . وبذلك يكون إبراهيم عليه السّلام قد لبى نداء اللّه بأن يأتي إلى مكان ليس به أي نعمة تقيم الحياة ، ولا يوجد فيه إلا المنعم ، ولذلك نرى سيدتنا هاجر عليهاالسّلام عندما تتلقى الأمر من إبراهيم بالسكن مع ابنها في ذلك المكان تناديه : يا إبراهيم إلى من تتركنا ؟ فيقول