تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3407

مساهمون:

ص٣٤٠٧
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ
( من الآية 127 سورة البقرة ) أي أن سيدنا إبراهيم بعمله إنما أراد أن يصنع للبيت ارتفاعا وحجما ، وهذا البناء يدل على صناعة حجم لمساحة من الأرض . إذن فالكعبة هي البيت بعد أن صار له ارتفاع . وكلمة « بيت » تعنى المكان الذي أعد للبيتوتة ، فالإنسان يضرب في الأرض طيلة نهاره وعندما يحب أن يستريح يذهب إلى البيت . فاللّه جعل الكعبة بيتا للناس حتى يستريحوا فيه من عناء حياتهم ومشقة كدحهم لأنه بيت ربهم باختيار ربهم ، لا باختيارهم ، فكل مسجد هو بيت للّه ولكن باختيار خلق اللّه ، أما الكعبة فهي بيت اللّه باختيار اللّه ، وهي قبلة لبيوت اللّه التي قامت باختيار خلق اللّه .
« جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ »
وكلمة « البيت الحرام » تدل على أن له حرمات كثيرة . وجعل اللّه الكعبة بيتا حراما لكل المسلمين قياما . والقيام هو الوقوف ، والوقوف هو القيام على الأمر . والقائم على أمر ما يحفظ له قوام حياته ووجوده . وهكذا نفهم أنه سبحانه أراد أن تكون الكعبة هي البيت الحرام ليحفظ على الناس قوام حياتهم ، بالطعام والشراب واستبقاء النسل ودفع الأذى ، وفوق ذلك له سيطرة وسيادة وجاه وتمكين ، ولذلك يعطى الإيمان الحياة الراقية ، فالحياة مسألة يشترك فيها المؤمن والكافر ، وتبدأ بوجود الروح في المادة فتنتقل المادة إلى حالة الحس والحركة ، والمؤمن هو من يرتقى بحياته فيعطى لها بالإيمان منافع ، ويسلب عنها المضار ، فيأخذ السيادة ، وبذلك تتصل حياته الدنيا بحياته في الآخرة ، فلا تنتهى منه الحياة أبدا . لقد جعل الحق سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام قياما للناس . . أي قواما لحياتهم سواء الحياة الدنيا أو حياة الآخرة ، الحياة المادية التي تنتهى بالموت ، والحياة التي تبدأ بالآخرة . والحق سبحانه يقول عن ذلك :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
( من الآية 24 سورة الأنفال )