وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
( من الآية 73 سورة القصص )
وكلنا يعرف أن الليل للراحة والنهار للتعب . والليل يسلم للنهار ، والنهار يسلم لليل . إذن فالمسكن يعود إلى الليل ، وابتغاء الفضل بالكد يعود إلى النهار . إذن فقد جاء الحكم على طريق اللف والنشر المرتب ، وأوضحت من قبل كيف أن الشاعر العربي قد فعل ذلك فقال :
قلبي وجفنى واللسان وخالقي * راض وباك شاكر وغفور
فالقلب راض ، والجفن باك ، واللسان شاكر ، والخالق غفور ، ولكن الشاعر جاء بالأحكام منشورة بعد أن لف الكلمات الأربع الأولى . أي أنه طوى المحكوم عليه مع بعضه ثم نشر الأحكام من بعد ذلك . وفي حياتنا - في أثناء السفر - نشترى الهدايا للأبناء ونرتبها حسب ورود الأبناء إلى حياتنا ، أي أننا نلف الهدايا ثم ننشرها من بعد ذلك . وبعد أن حلل الحق صيد البحر جاء بتحريم صيد البر إن كنا حرما ، وذلك تأكيد جديد على تحريم صيد البر في أثناء الإحرام أو الوجود في الحرم .
ويذيل الحق الآية بقوله :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ »
أي اجعلوا بينكم وبين عذاب اللّه وقاية ؛ لأنكم لستم بقادرين على تحمل عذاب النار ، فالحق - كما قلنا من قبل - له صفات جمال ، وهي التي تأتى بما ييسر وينفع كالبسط ، والمغفرة والرحمة ، وله سبحانه وتعالى صفات القهر مثل : الجبار وشديد العقاب وغيرها .
وكل صفة من صفات الحق لها مطلوب . فعندما يذنب الإنسان فالتجلى في صفات اللّه يكون لصفات الجلال ، ومن جنود صفات الجلال النار .
إذن فإياكم أن تظنوا أنكم انفلتم من اللّه ، فمساحة الحرية الممنوحة لكل إنسان تقع في المسافة بين قوسين : قوس الميلاد ، وقوس الموت ، فلا أحد يتحكم في ميلاده أو وفاته . إياك - إذن - أيها الإنسان أن تقع أسير الغرور ؛ لأنك مختار فيما بين القوسين . ومحكوم بقهرين ، قهر أنه قد خلقك بدءا ، وقهر أنك ستعود إليه - سبحانه وتعالى - نهاية .