تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3403

مساهمون:

ص٣٤٠٣
لقد أخذ ذو القرنين من تمكين اللّه له في الأرض ، وأخذ من عطاء اللّه له بشئ من كل سبب ، إنه أخذ طاقة وإحساسا بالمسئولية ليواصل مهمته :
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
( 86 ) ( سورة الكهف ) لقد بلغ مغرب الشمس في نظر عينيه ، لأن الإنسان عندما يقف وقت الغروب في خلاء فالشمس تغرب أمامه وكأنها تسقط في آخر الأفق . والحقيقة أن ذلك هو نهاية قدرة البصر . وجاء التفويض لذي القرنين : إما أن يعذب هؤلاء القوم ، وإما أن يعاملهم بالحسنى . وليقس عمل كل إنسان منهم ، وليجاز كل إنسان منهم حسب عمله . وهو لا يفعل ذلك عن هوى ، لأنه ممكن في الأرض من الحق سبحانه وتعالى ؛ لذلك قال الحق :
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً
( 87 ) ( سورة الكهف ) وكل إنسان - حتى النفعى - حين يرى أن ارتكاب العمل السيئ يأتي له بالمتاعب والخسارة ، يرجع عنه ولو لم يكن مؤمنا باليوم الآخر . أما من يؤمن باليوم الآخر ويعمل عملا صالحا فماذا تكون نوعية معاملته ؟ ها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول :
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً
( 88 ) ( سورة الكهف ) إنه ينال التكريم والتشجيع ، فالتكريم والتشجيع يجب أن ينالهما صاحب الحق فيهما لا المنافق أو المتمسح بالأبواب . هكذا يكون دستور كل متمكن في الأرض . وهكذا تكون رعاية أوامر اللّه ونواهيه . وحين أمرنا الحق بتحريم الصيد في البيت الحرام أو على المحرم ووضع عقوبة لمن أخطأ ، فهو سبحانه وتعالى عادل معنا ، فلا عقوبة إلا بنص ولا تجريم إلا بعد النص ، ولذلك قال سبحانه :
« عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ » .
فسبحانه يعفو عما سلف ، أما من عاد ليرتكب نواهى اللّه في هذا المجال فيعاقبه الحق ، فلا يقبل منه هدى