يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ »
وما يحكم به ذوا العدل إنما يذهب كله للكعبة ؛ ليأكله الموجودون في البيت الحرام لعبادة الرحمن . وقد أراد اللّه أن يضمن قوت الذين يسكنون واديا غير ذي زرع حتى من أغلاط الذين يعتدون على ما حرّم اللّه صيده من الحيوان .
ولكن ما الحل إذا ما كان المخطئ لا يملك القدرة على أن يقدم هديا بالغ الكعبة ؟
والحق سبحانه لا يترك مثل هذه الأمور دون بيان أو تفصيل ، فها هو ذا يضع الكفارة بإطعام مساكين ، يحدد عددهم الاثنان من ذوى العدل . ومن لا يستطيع إطعام مساكين فليصم أياما بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقون الطعام لو أخرجه .
« أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ »
والوبال هو الثقل والعاقبة .
ولماذا الوبال ؟ لأن الإنسان حين يدفع من ماله ثمن شراء المثل لما قتل سيعز عليه ماله ، وأيضا إن أطعم مساكين فهو سيشترى الطعام بمال يعز عليه ، وكذلك يسبب له الصيام الإرهاق . إن هذا اللون من الكفارة يذيق الإنسان وبال ما فعل . وأراد الحق بذلك ألا يجعل الإحساس مجرد أمر شكلى ، أو أن تظل الإساءة أمرا شكليا .
وشاء سبحانه أن يرتب النفع للإحسان والضر للإساءة ، حتى تستقيم الأمور في الكون . ولنا في قصة ذي القرنين المثل الواضح على ذلك :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 ) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
( 84 )
( سورة الكهف )
لقد مكن الحق لذي القرنين في الأرض ، وأعطاه من كل شئ سببا . ومع ذلك لم يركن ذو القرنين إلى ما أعطى فلم يتقاعس ولم يكسل ، بل يخبرنا الحق :
فَأَتْبَعَ سَبَباً
( 85 )
( سورة الكهف )