تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3354

مساهمون:

ص٣٣٥٤
فحمد اللّه وأثنى عليه فقال : « ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلى وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منى » « 1 » . وأنزل الحق سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
( من الآية 87 سورة المائدة ) وكلمات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لصحابته وللناس منطقية ، فإذا كانوا يريدون أن يمتنعوا عن طيبات ما أحل اللّه حتى يعلنوا الزهد مثل السابقين عليهم ، ومن يريد الرهبنة ألا يصلى ؟ إنه يقيم الصلاة ؛ والصلاة لا بد لها من حركة ، والحركة لا بد لها من قوة ، والصلاة لا بد لها من ستر العورة ، وستر العورة يقتضى اللباس ، وهذا اللباس يحتاج إلى تفكير من أين يأتي هذا . القماش يأتي من تاجر أقمشة ، وتاجر الأقمشة لا بد أنه يأتي به من المصانع التي تنسجه ، والمصانع التي تنسجه لا بد أن تأتى به من المصانع التي غزلته ، والمصانع التي غزلته لا بد أن تأتى به من المحالج التي حلجت ، ثم لا بد من الحيوانات التي أخذ منها إن كان صوفا ، وأن تربى وتربيتها تحتاج إلى زراعة . إذن فكل هذه الأشياء تتطلب حركة واسعة ، أنت لا تشعر بها إلا حين تحتاج إلى الثوب . فإن كنت تريد أن تنقطع للعبادة فإياك أن تنتفع بحركة من يقيم أركان الإسلام ، ويتحرك في الحياة في ضوء منهج اللّه ساعيا إلى الرزق ، وهذا أمر لا يتأتى . وأيضا ، ألا يأكل الذي يريد الانقطاع إلى العبادة ؟ إنه يأكل ليقوم إلى الصلاة . وكلنا يعرف كيف يجئ رغيف الخبز . صحيح أن الإنسان يذهب إلى المخبز ليشترى رغيف الخبز ، والمخبز جاء بالدقيق من المطحن . والمطحن جاءته الغلال من المخازن ، والغلال جاءت من الذي زرع . والذي زرع احتاج إلى آلات تحرث وآلات تغرس وإلى آلات تجنى ، وبعد ذلك احتاج إلى أشياء أخرى كالسماد وغيره ، إن هذا يحتاج إلى طاقة هائلة .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ورواه البخاري بلفظ : « فقال أحدهم : أما أنا فأصلى الليل أبدا وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا . . » .