تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3353

مساهمون:

ص٣٣٥٣
إنه حين يوضح أنّ هذه الآلة لا تصلح إلا بما أحللت ، ولا يصح أن تدخل عليها ما حرمت عليك . هنا يجب أن نطيع الخالق ؛ لأنه هو الذي يعلم ما يصلح لنا وما لا يصلح . ولم يدع أحد في الكون أنه خلق نفسه ، فلنرد اقتياتنا وحفظ حياتنا إلى خالقنا ، ولنأخذ ما حلله ونبعد عما حرمه ، فالآلة - الإنسان - تصلح بأن تفعل الحلال وأن تترك فعل الحرام . إذن هناك أشياء تفعل ، وهناك أشياء لا تفعل . وهناك أشياء لم يأت فيها الحل أو الحرمة ، فإن أقبل عليها الإنسان فهي تصلح ، وإن لم يقبل عليها الإنسان فهي تصلح أيضا . والحق سبحانه وتعالى يوضح : أنكم لم تخلقوا هذه الآلة - الإنسان - وأنا الذي خلقتها ، فأنا أعلم بما يعطيها مدد الطاقة ومدد البقاء ، فإن صنعتم غير ذلك كنتم معتدين . ولذلك يخاطب الحق الذين آمنوا بأنه خلقهم من عدم وأمدهم من عدم ورزقهم لاستبقاء حياتهم ونوعهم ، وعليهم أن يأخذوا من اللّه هذه الأحكام :
« لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ » .
وسبحانه يوضح : إن الذي يؤمن بأنى إله فليأخذ منى مواصفات استبقاء حياته . وعندما يقول سبحانه ذلك فلا بد أن يكون هناك سبب داع لهذا القول ولما نزل قوله - سبحانه - :
* لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
( 82 ) ( سورة المائدة ) الحق جاء في هذا القول الكريم بحيثيات مدحهم وحيثيات قربهم من مودتنا ، فمنهم القسيسون والرهبان الذين زهدوا في الحياة . ولما سمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك بكوا واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي ، وفيهم أبو بكر الصديق وعمر وعلي بن أبي طالب وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبى حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن ، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك أي الدسم . ويجبوا المذاكير ويسيحوا في الأرض كما يفعل الرهبان ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجمعهم