تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3348

مساهمون:

ص٣٣٤٨
ونفهم من قوله :
« أَصْحابُ الْجَحِيمِ »
أن هذا يعنى العشق المتبادل بين النار وأهلها ، وليس هذا مرادا ، فهو إما أن يكون على سبيل السخرية والاستهزاء بهم ، وإما أن يكون المراد هو الملازمة التامة والمصاحبة الدائمة التي لا تنفك ولا تنتهى . وبعد أن تكلم الحق عن المشركين وتكلم عن اليهود وتكلم عن النصارى . فهو يتكلم عن المؤمنين ، إنه ينفض أذهاننا أولا ليزيل عنها ما علق بها من أمر المخالفين ومناهجهم ، ويأتي لنا من بعد ذلك بالأحكام ، وقد فعل ذلك في هذه السورة التي تبدأ بآية العقود :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
( من الآية 1 سورة المائدة ) وعقد الإيمان هو ما يرتفع ويسمو على ما يقوله المشركون ويخرج عما يقوله اليهود والنصارى . ومن بعد ذلك نلاحظ أن الحق بعد أن تكلم عن ضرورة الوفاء بالعقود ، فهو يلزم المؤمنين بالمنهج الذي يحمى حركة الحياة . وحركة الحياة يتم استبقاؤها أولا بالطعام والشراب . لذلك قال :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
( من الآية 1 سورة المائدة ) ومن بعد استبقاء حركة الحياة بالطعام والشراب ، ها هوذا يقول : « حرمت » . وهنا لنا وقفة ، فعندما يحلل اللّه شيئا من أجناس الوجود ؛ وحينما يحرم شيئا آخر من أجناس الوجود فللسائل أن يسأل بعقلانية ويقول : ما دام الحق قد حرم هذه الأشياء فلماذا أوجدها ؟ ونعلم في حياتنا العادية أن كل صانع إنما يحدد خصائص لصنعته . ومثال ذلك صانع الطائرة يصمم طائرته ويحدد الوقود اللازم لها ، ولا يمكن أن تسير بوقود سيارة ، فإذا كانت الآلات التي من صنع البشر تفسد إن استخدمنا لها ما لا يناسبها . فكيف إذن نقول لصانعنا : لماذا خلقت الأشياء التي لا تناسبنا ؟ لا بد أن لها مهمة في الكون واستخداما آخر يجعلها تنتج الأشياء المفيدة لنا . مثال ذلك سمّ الحيّة ، إنه يقتل الإنسان ، ولكن اللّه ألهم الإنسان القدرة على استخراج السّم من الحيّة لقتل بعض الميكروبات . إذن فالعالم قد خلقه اللّه بتركيب معين . ومثال ذلك نجد التمساح وهو راقد على الشاطئ والطيور تلتقط من فمه بعضا من غذائها ولا يؤذيها ؛ لأن هذه الطيور هي