تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3345

مساهمون:

ص٣٣٤٥
من مال الفئ وغيره ، وكان جل همهم أن يسعد المهاجرون وقد سبق أن آثروهم بأشياء كانت لهم وارتضوا لأنفسهم عدم البخل ، فوقاهم اللّه شر البخل فكانوا من الفائزين . والمتصدق بجنيه إنما يأخذ من اللّه عشرة أمثاله ، وهذه نفعية كبرى . وعندما أمرنا الشرع بغض البصر عن محارم الغير ، والمنفذ لذلك يحفظه اللّه ويغض الجميع عيونهم عن محارمه ، أليست هذه نفعية ؟ إذن فمن الحمق أن يظن إنسان أن الدين يقيد الحرية ، لأن الدين إنما يعلى الحرية وينميها ، وينمى الانتفاع عند المؤمن بأن يحول بينه وبين النفعية الحمقاء . ودائما أضرب هذا المثل : لنفترض أن رجلا له ولدان ؛ الأول منهما يستيقظ صباحا من النوم فيفعل مثلما علمه أبوه : يتوضأ ويصلى ويتجه إلى دراسته بعد أن يتناول إفطاره ، أما الابن الثاني فلا يستيقظ إلا بصعوبة ويظل يتناوم إلى أن يأتي الضحى ثم يخرج من المنزل إلى المقهى . إن كلا من الولدين أراد النفع لنفسه ، الأول أراد النفع الآجل ، والثاني أراد النفع العاجل ، وبعد أن تمر عشر سنوات يتخرج الابن الأول ليكون مفلحا وناجحا في الحياة ، ولكن الابن الثاني يظل صعلوكا فاشلا ، إذن فكلاهما نظر إلى النفعية ولكن المنظار مختلف . وإياكم أن تفهموا أن هناك إنسانا لا يحب نفسه ، لا . كلنا نحب أنفسنا . ولكن هناك من يحب نفسه حبا يعطى لها طول البقاء ، فيجد ويجاهد ، وقد يكون شهيدا ، وآخر أحب نفسه بضيق أفق فحافظ على حياته بالجبن وهو قد مات ألف مرة في أثناء هذا الجبن ، وفقد كرامته حرصا على حياة لن يزيد في مقدارها يوما واحدا . والمتنبي يقول :
أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه * حريصا عليها مستهاما بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التّقى « 1 » * وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ولذلك فالمتأمل بعمق في أمر الدين يقول لنفسه :
« وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ » ،
والمؤمن يرى أنه من العجيب ألا يؤمن لأنه يطمح إلى مكانة المؤمن .
« وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ »
إذن فالمؤمن يطلب مكانة الإنسان الصالح .
هامش
( 1 ) - التقى : الحذر والخوف