وقد حدث ذلك لردّه أمر اللّه سبحانه ، واستكباره ، ولقناعته أن النار التي خلق منها أفضل من الطين الذي خلق منه آدم ، ولم يلتفت إلى أن لكل مخلوق مهمة ، وكل كائن يؤدى مهمته هو مساو للآخر .
وقد شاء الحق سبحانه ذلك ليزاول كل كائن الأسباب التي وجد من أجلها ؛ فآدم قد خلقه اللّه ليجعله خليفة في الأرض ؛ ذلك أنه سبحانه يباشر الأمر في السّببيات بواسطة ما خلق .
فالنار - على سبيل المثال - تتسبّب في إنضاج الطعام ؛ لأنه سبحانه هو الذي شاء ذلك ، وجعلها سببا في إنضاج الطعام .
ومزاولة الحق سبحانه لأشياء كثيرة في المسبّبات معناه أن المخلوقات تؤدّى المهامّ التي أرادها سبحانه لها في الوجود .
والمؤمن الحق هو من يرى في الأسباب التي في الكون ؛ أنها عطاء من اللّه ، وأن يده ممدودة له بتلك الأسباب .
وبعد أن طرد الحق سبحانه إبليس من حضرته « 1 » سيقرر سبحانه الحكم الذي أصدره عليه في قوله :
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
« 2 » وفي هذا القول ما يؤكد أن الجن أيضا يموتون ؛ ولهم آجال مثلنا ، وفي هذا الحكم بالطرد تأكيد على أنه سبحانه لن يوفّقه إلى توبة ، ولا يعفو عنه في النهاية .
هامش
( 1 ) قوله تعالى :فَاخْرُجْ مِنْها . .( 34 ) [ الحجر ] قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 551 ) :
« أي : من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى » . وقال القرطبي في تفسيره ( 5 / 3750 ) : « أي : من السماوات ، أو من جنة عدن ، أو من جملة الملائكة » .
( 2 ) اللعن : الإبعاد والطرد من الخير . واللعين : الشيطان ، صفة غالبة لأنه طرد من السماء ، وقيل : لأنه أبعد من رحمة اللّه . [ لسان العرب - مادة : لعن ] .