وبما أن الشمس آية نهارية ؛ والقمر آية ليلية ، والنهار يسبق الليل في الوجود بالنسبة لنا . كان مقتضى الكلام أن يقول : سخر لكم النهار والليل .
ولكن الحق سبحانه أراد أن يعلمنا أن القمر وهو الآية الليلية ؛ ويسطع في الليل ؛ والليل مخلوق للسكون ؛ لكن هذا السكون ليس سببا لوجود الإنسان على الأرض ؛ بل السبب هو أن يتحرك الإنسان ويستعمر الأرض ويكدّ ويكدح فيها .
لذلك جعل استهلال الشمس أولا والقمر يستمد ضوءه منها ؛ ثم جاء بخبر الليل وخبر النهار ، فكأن اللّه قد اكتنف هذه الآية بنورين .
النور الأول : من الشمس . والنور الثاني : من القمر ، كي يعلم الإنسان أن حياته مغلفة تغليفا يتيح له الحركة على الأرض ، فلا تظننّ أيها الإنسان أن الأصل هو النوم ! ذلك أنه سبحانه قد خلق النوم لترتاح ؛ ثم تصحو لتكدح .
ونلحظ أن كلمة « التسخير » تأتى للأشياء الجوهرية ، وتأتى للمسخّرات أيضا ، فالحيوان مسخّر لنا ، وكذلك النبات والسماء مسخّرة بما فيها لنا ، أما الليل والنهار فهما نتيجتان لجواهر ؛ هما الشمس والقمر ؛ والليل والنهار مسبّبان عن شيئين مباشرين هما :
الشمس والقمر .
والتسخير - كما نعلم - هو منع الاختيار . وإذا ما سخّر الحق سبحانه شيئا فلنعلم أنه منضبط ولا يتأتّى فيه اختلال ، ولكن الكائن غير المسخّر هو الذي يتأتى فيه الاختلال ؛ ذلك أنه قد يسير على جادّة الصواب ، أو قد يخطئ .
تفسير الشعراوي — صفحة 7547
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٧٥٤٧