تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 7363

مساهمون:

ص٧٣٦٣
وحين تدقّق في هذا القول النبوىّ الكريم تجد الترقّى كاملا ؛ فقوله : « ما لا أذن سمعت » جاء لأنه يعلم أن مدركات العين محدودة بالنسبة لما تعلم الأذن ؛ لأن الأذن تسمع ما لا تدركه العين ؛ فهي تسمع ما يراه غيرك بالإضافة إلى ما تراه أنت . فالأذن تسمع القريب وتسمع البعيد وتنقل صوته وتستحضره ثم تميزه ، بخلاف العين فهي محدودة المسافة حسب قوة الإبصار ، ومع كل فنعيم الجنة فوق كل هذا الفوق . ثم يأتي الترقّى الأكبر في قوله : « ولا خطر على قلب بشر » . والخواطر أوسع من قدرة الأذن وقدرة العين ؛ فالخواطر تتخيّل أشياء قد تكون غير موجودة . وهكذا نرى عجز اللغة عن أن توجد بها ألفاظ تعبر عن معنى ما هو موجود بالجنة ، ولا أحد فينا يعلم ما هي الأشياء الموجودة بالجنة ، وما دام أحد منا لم ير الجنة ؛ وما دام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » . فلا بدّ أن نعلم قدر عجز اللغة عن التعبير عمّا في الجنة ، فإذا أراد اللّه أن يعبّر عمّا فيها ؛ فهو يوضّح لنا بالمثل ؛ لا بالوصف ، لأنه يعلم أن لغتنا تضع الألفاظ لما هو موجود في حياتنا ؛ ولا توجد ألفاظ في لغتنا تؤدّى معاني ما في الجنة . ولذلك قال لنا الحق سبحانه :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى . .
( 15 ) [ محمد ]