أي : أنه يضرب لنا المثل فقط ؛ لأن الألفاظ التي نتخاطب بها نحن قد وضعت لمعان نعرفها ؛ وإذا كانت في الجنة أشياء لم ترها عين ، ولم تسمعها أذن ، ولم تخطر على بال بشر ؛ فمن الممكن أن نقول :
إنه لا توجد ألفاظ عندنا تؤدى معنى ما هناك ، فيضرب اللّه الأمثال لنا بما نراه من الملذّات ؛ ولكن يأخذ منها المكدّرات والمعكّرات « 1 » .
وهكذا نعرف أن هناك فارقا بين « مثل الجنة » وبين « الجنة » ، فالمثل يعطيني صورة أسمعها عن واقع لا أعلمه ؛ لأن معنى التمثيل أن تلحق مجهولا بمعلوم لتأخذ منه الحكم .
مثلما تقول لصديق : أتعرف فلانا ؛ فيقول لك : « لا » . فتقول له : « إنه يشبه فلانا الذي تعرفه » .
وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولا بمعلوم ؛ لتأتي الصورة في ذهن سامعك .
ويقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شرحا لما أجمله القرآن :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ . .
( 71 ) [ الزخرف ]
ويضيف صلّى اللّه عليه وسلّم : « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » « 2 » .
هامش
( 1 ) قال تعالى :مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى . .( 15 ) [ محمد ] وقال في آية أخرى :يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ( 47 ) [ الصافات ] .
( 2 ) أخرجه أحمد في مسنده ( 5 / 334 ) ومسلم في صحيحه ( 2825 ) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضى اللّه عنه .