وهكذا كانت الحديبية هي أعظم نصر في الإسلام ؛ فقد سكنت قريش ؛ وتفرّغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه لدعوة القبائل المحيطة بها للإسلام .
ولكن الناس لم يتسع ظنّهم لما بين محمد وربّه . والعباد دائما يعجلون ، واللّه لا يعجل بعجلة العباد حتّى تبلغ الأمور ما أراد « 1 » .
وحين جاءت لحظة التعاقد بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين قريش في الحديبية ، وبدأ علىّ بن أبي طالب في كتابة صيغة المعاهدة ، كتب « هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه » فاعترض سهيل بن عمرو وقال : لو شهدت أنك رسول اللّه لم أقاتلك ، ولكن اكتب : « هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه وسهيل بن عمرو » .
وأصرّ صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أن تكتب صفة محمد كرسول ، لكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « واللّه إني لرسول اللّه وإن كذبتمونى . اكتب محمد بن عبد اللّه » « 2 » .
ولكن عليّا - كرّم اللّه وجهه - يصرّ على أن يكتب صفة محمد كرسول من اللّه ؛ فينطق الحق سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليقول لعلىّ :
« ستسام « 3 » مثلها فتقبل » .
هامش
( 1 ) وفي هذا يورد السيوطي في الدر المنثور ( 7 / 509 ) آثارا ، منها الأثر الذي عزاه للبيهقي عن عروة رضى اللّه عنه أن بعض الصحابة قالوا : واللّه ما هذا بفتح ، لقد صددنا عن البيت وصدّ هدينا . . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « بئس الكلام ، هذا أعظم الفتح ، لقد رضى المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإياب ، وقد أظفركم اللّه عليهم ، وردكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتح » .
( 2 ) أورده ابن هشام في السيرة النبوية ( 3 / 317 ) .
( 3 ) سامه الأمر يسومه : كلّفه إياه . وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر والظلم . والسّوم :
التكليف . [ لسان العرب - مادة : سوم ] .