وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ . .
( 134 ) [ آل عمران ]
وهنا تظهر المسألة الأرقى ، وهي إخراج الغيظ من الصدر ؛ ثم التسامى في مرتبة الصّديقين ؛ فلا ينظر إلى من كظم غيظه عنه أولا ؛ بل يعفو عنه ، ولا ينظر له بعداء ، بل بنظرة إيمانية .
والنظرة الإيمانية هي أن من آذاك إنما يعتدى على حقّ اللّه فيك ؛ وبذلك جعل اللّه في صفّك وجانبك ؛ وهكذا تجد أن من ظلمك وأساء إليك قد جعلك في معية اللّه وحمايته ؛ وعليك أن تحسن له .
والصبر له دوافع ؛ فهناك من يصبر كي يقال عنه : إنه يملك الجلد والصبر ؛ وليبين أنه فوق الأحداث ؛ وهذا صبر ليس ابتغاء لوجه اللّه ؛ بل صبر كيلا يشمت فيه أعداؤه .
وصبر لأنه قد توصل بعقله أن جزعه لن ينفعه ، ولو كان حصيفا « 1 » لصبر لوجه اللّه ، لأن الصبر لوجه اللّه يخفف من قدر اللّه .
ومن يصبر لوجه اللّه إنما يعلم أن للّه حكمة أعلى من الموضوع الذي صبر عليه ؛ ولو خيّر بين ما كان يجب أن يقع وبين ما وقع ؛ لاختار الذي وقع .
والذي يصبر لوجه اللّه إنما ينظر الحكمة في مورد القضاء الذي وقع عليه ، ويقول : أحمدك ربى على كل قضائك وجميل قدرك ؛ حمد الرضى بحكمك لليقين بحكمتك .
فمن يصبر على الفاقة « 2 » ؛ ويقول لنفسه : « اصبرى إلى أن
هامش
( 1 ) الحصيف : جيد الرأي محكم العقل . وإحصاف الأمر : إحكامه . [ لسان العرب - مادة :
حصف ] .
( 2 ) الفاقة : الفقر والحاجة . وافتاق الرجل أي افتقر . [ لسان العرب - مادة : فوق ] .