من آخر . والحدود التي نصنعها نحن والتي قد لا يتنبه إليها كثير من الناس ، هي نوعان : نوع لا يتعدى بالبناء ، فعندما يريد واحد أن يبنى ، فالأول يبنى على الأرض التي هي حق له ، ويكون الجداران ملتصقين بعضهما ببعض . وعندما يزرع فلاح بجانب فلاح آخر فكل فلاح يزرع في أرضه وبين القطعتين حد ، وهذا يحدث في النفع .
لكن لنفترض أن فلاحا يريد أن يزرع أرزا ، وجاره لن يزرع أرزا ، فالذي لن يزرع الأرز قد تأخذ أرضه مياها زائدة ، فالمياه تصلح للأرز وقد تفسد غيره ، ولذلك يكون الحكم هنا أن يقيم زارع الأرز حدا اسمه « حد الجيرة » ليمنع الضرر ، وهو ليس « حد الملكية » فزارع الأرز هنا ينقص من زراعته مسافة مترين ، ويصنع بهما حد الجيرة ، حتى لا تتعدى المياه التي يروى بها الأرز إلى أرض الجار . إنه حد يمنع الضرر ، وهو يختلف عن الحد الذي يمنع التملك .
إذن فمن ناحية حماية الإنسان لنفسه من أن يوقع الضرر بالآخرين عليه أن ينتبه إلى المقولة الواضحة : « لا تجعل حقك عند آخر حدك ، بل اجعل حقك في الانتفاع بعيدا عن حدك » ، وهذا في الملكية . وذلك إذا كان انتفاعك بما تملكه كله سيضر بجارك . وكذلك يعاملنا اللّه ، ويقول في الأوامر :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
( من الآية 229 سورة البقرة )
وفي النواهي يقول سبحانه :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها
( من الآية 187 سورة البقرة )
أي أنك إذا ما تلقيت أمرا ، فلا تتعد هذا الأمر ، وهذه هي الملكية ، وإذا ما تلقيت نهيا فلا تقرب الأمر المنهى عنه . مثال ذلك النهى عن الخمر ، فالحق لا يقول : « لا تشرب الخمر » ، وإنما يقول :
« إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ » .
أي لا تذهب إلى المكان الذي توجد فيه من الأصل ، كن في جانب وهذه الأشياء في جانب آخر .