مثال ذلك : هناك إنسان يموت وعليه دين ، عندئذ يجب تسديد الدين ، لكن أن يكتب الرجل دينا على نفسه غير حقيقي ليحرم بعضا من أقاربه من الميراث فعليه أن يعرف أن اللّه عليم بالنوايا التي وراء التصرفات . فإن عمّيتم أيها البشر على قضاء الأرض ، فلن تعموا على قضاء السماء .
وهذه مسألة تحتاج إلى علم يتغلغل في النوايا ، إذن فمسألة القضاء هذه هي خلاف بين البشر والبشر ، ولكن مسألة الديانة وما يفترضه الحق ، فهو موضوع بين الرب وبين عبيده ، ولذلك يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث شريف :
« إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلىّ ، فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له بحق مسلم ، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها » « 1 » .
إن الرسول يعلمنا أنه بشر ، أي أنه لا يملك علم الغيب ومداخل المسائل ، وعندما يرفع المسلمون إليه قضاياهم فقد يكون أحدهم أكثر قدرة على الفصاحة وذلاقة اللسان ، ويستطيع أن يقلب الباطل حقا ، والآخر قليل الحيلة ، فيحكم النبي بمقتضى البيّنة القضائية ، ولكن الأمر الواقع يتنافى مع تسلسل الحق ؛ لذلك يعلمنا أنه بشر ، وأننا حين نختصم إليه يجب ألا يستخدم واحد منا ذلاقة اللسان في أخذ ما ليس له ؛ لأنه حتى لو أخذ شيئا ليس له بحكم من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، فليعلم أنه يأخذ قطعة من الجحيم .
إذن فمعنى ذلك أنه يجب علينا أن نحذر في الأمور ، فلا نعمّى ولا نأخذ شيئا بسلطان القضاء ونهمل مسألة الديانة . فالأمور التي تتعلق بالدّين لا يجوز للمؤمن المساس بها ، إياكم أن تظنوا أن حكم أي حاكم يحلل حراما أو يحرم حلالا ، لا . فالحلال بيّن ، والحرام بيّن ، والقاضي عليه أن يحكم بالبينات الواضحة .
ومثال على ذلك : هب أنك اقترضت من واحد ألفا من الجنيهات ، وأخذ عليك صكا ، ثم جاء المقترض وسدد ما عليه من قرض وقال لمن اقترض منه : « عندما
هامش
( 1 ) رواه مالك ، وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أم سلمة رضى اللّه عنها .